القضاء والصحافة
دائما ما تكون العلاقة بين القضاء والصحافة متوترة ويبدو أنه الوضع الطبيعي بينهما, وهو ما تقتضيه طبيعة ورسالة كل منهما, ويمكن أن نفسر ذلك بوجود سلطة بشكل ما لكل منهما على الآخر. أما سلطة القضاء على الإعلام فمعلومة وهي سلطة تتعلق بالمسؤولية المدنية والجنائية في حال تمت الملاحقة للصحيفة أو للصحافي فالقضاء هو المعني بالنظر فيها, وأما الصحافة فكما يقال فهي " السلطة الرابعة " وذلك لما تقوم به من تعبئة للوضع العام في أمر معين وتسليط الضوء عليه بل وإشراف غير رسمي على مؤسسات الدولة ومنها القضاء, ولعل هذا ما يفسر التوتر كذلك بين الإعلام والتشريع, والإعلام والسلطة التنفيذية في كون لكل منهما سلطة على الآخر بشكل ما. ولا نرى هذا التوتر بين الإعلام والمؤسسات الخدمية إلا من طرف المؤسسات لوجود سلطة للإعلام عليها لا العكس.
وبخصوص موضوع المقال فهناك تقاطع بين الصحافة والقضاء في أكثر من جانب, وكلها لا تخلو من جدل بين المختصين والمهتمين, ويمكن حصرها في السؤال الجوهري التالي: ما القضايا الإعلامية التي يسمح للقضاء بالنظر فيها؟ وما الهامش الذي يسمح للإعلام "الصحافة" في التعرض له من القضايا القضائية؟ ولنبدأ بالسؤال الأول وللجواب عنه, لابد أن نقرر أولا أن دعاوى الحق الخاص والتي تقام من الأفراد لا تثير جدلا كثيرا, وإنما الجدل في دعاوى الحق العام والتي تقام من ممثل الدولة أمام القضاء في القضائيا الجنائية أو التأديبية حيث يسعى القضاء إلى الحد من حرية الإعلام إذا وصل الأمر إلى خصوصيات الآخرين أو التأثير سلبا في الرأي العام في بث ما يؤدي إلى إشكالات دينية أو أمنية أو اجتماعية يرى القضاء أنه ليس من صلاحيات الإعلام الخوض فيها, وبالطبع ما أعنيه هنا في الإشكالات هو القضايا الكبيرة لا المسائل البسيطة, في حين يرى الإعلام أنه يحق له الخوض فيها تحقيقا لرسالته, وهذه العقدة أزلية بينهما ولكن الكلمة في النهاية للقضاء.
وامتدادا لهذا الإشكال فقد ثار جدل آخر في الجهة القضائية المختصة بنظر القضايا الإعلامية, هل هي اللجنة المشكلة لهذا الخصوص في وزارة الثقافة أم القضاء العام المتمثل في المحاكم, وانتهى الأمر إلى نظرها في اللجنة. وفي رأيي أن ما يتعلق بالمخالفات المهنية للصحافيين هي ما ينظر في اللجنة, أما قضايا الحق الخاص أو الحق العام فالجهة المختصة هي القضاء العام, فإذا ثبت على الصحافي ما يعد مخالفة فيحال إلى اللجنة لتنظر في ذلك بصفته المعنوية "الصحافية", وهذا هو مقتضى القواعد القانونية فكل من يتصف بصفتين يحاكم مرتين كالموظف والعسكري والمحامي والصحافي, كما أن اللجنة المشار إليها تختص ابتداء بالنظر في المخالفات المهنية البحتة ضد الصحافي والصحيفة.
وفي المقال المقبل نكمل جواب السؤال الثاني, ونتطرق إلى ما يتعلق بالنشر في الإعلام في القضايا العقارية كالمساهمات, والتحذير من شراء العقارات ونحوها.