امتحان.. وسباكة..ومطبخ!!
يتجه "نفنف" ومعه مئات الآلاف من الطلاب والطالبات إلى قاعات امتحانات نصف العام الدراسي بعد غدٍ، السبت. ولاحظ الجميع أن "نفنف"، طالب الصف الخامس الابتدائي، متضايق بشدة من أن ترتيب اسمه الأبجدي قد زج به في القاعة رقم (4/ب) التي هي عبارة عن مطبخ يحتضن طلاب الصف الرابع ب!
وكان "نفنف" قد أصيب بعقدة المطابخ إثر قضائه عامين دراسيين فيهما، الصف الثاني والصف الرابع، وإذا استثنينا التجربة "الحالمة" التي عاشها في الصف الثالث حيث درس في إحدى العواصم العربية القريبة، بينما كان والده مرسلاً هناك من قبل عمله لإتمام دورة مدتها عام، وفيها استمتع نفنف بالدراسة في فصل سداسي الشكل، مطل على حديقة صغيرة، إلا أن الدورة انتهت، وعادت الأسرة إلى أرض الوطن والتحق "نفنف" بقدامى الرفاق وعاد للدراسة معهم في الصف الرابع في المدرسة ذاتها التي بدأ مسيرته التعليمية فيها، وقاده حظه العاثر للعودة للمطبخ مجدداً بعد أن تغير مدير المدرسة، وقرر أن يكون المطبخ من نصيب طلاب الرابع الابتدائي بدلاً من الصف الثاني.
ومضى العام الدراسي وكأنه كابوس يضاف إلى الفزع من منهج القواعد والتاريخ والجغرافيا الذين اقتحموا عالمه المشبع بالحروف والأرقام فقط! وكان أكثر ما يضايقه هو السباكة الموجودة في ذاك المطبخ، والتي كان ما تبقى منها كثيراً ما يقطر إلى جوار أذنه، وكانت تخنقه "نقشة" السيراميك القديمة التي لا تصل للسقف بل تقف قبل ذلك بمتر واحد تقريباً، وكان "نفنف" شديد الحنق من أصوات الجميع، بمن فيهم المعلمون، بسبب الصدى "السيراميكاوي" القادر على تشتيت أقوى لحظات الانتباه!
المهم، اتضح أن "نفنف" طريد لهذا الكابوس الملازم لمسيرة تعليمية غضة بعد أن تنفس المسكين الصعداء، وكان "نفنف" محظوظاً بما يكفي ليدرس الصف الخامس في "المقلط"، غرفة الطعام، وكم حسد نفسه على هذا الحظ الماسي الطلة، فمن كان يصدق أنه سيدرس في "المقلط" الذي كان غرفة لوكيل المدرسة أساساً قبل أن ينتقل للدور العلوي إثر خلاف في وجهات النظر بينه وبين المدير "الأستاذ أبوعلي"!!
لقد أصيب "نفنف" في صميم كبريائه، كيف لا وهو أحد طلاب الصف (الخامس/أ) ممن يدرسون في المقلط ؟
كيف يجرؤ أياً كان على إجباره على أداء الامتحانات في مطبخ الكوابيس بائس الذكر؟
وكيف سيتهيأ نفسيا للمذاكرة إذا كان يعلم أن مطبخ (4/ب) بانتظاره؟
ومتى سيشعر بالأمان تجاه مصيره التعليمي إذا كان يشعر أحيانا أن لهذا المطبخ سيقانا وأقداما تمكنه من مطاردته حيثما ذهب؟!
أسئلة كثيرة متزاحمة تدور في رأس تلميذ المدرسة الابتدائية المستأجرة هذا، وتحاول أمه أن تفسر نوبات البكاء المتكررة التي يدخل فيها طفلها بين الحين والآخر، وتحاول الأم جاهدة أن تأول المغزى من ترديده لكلمات مثل "مطبخ" "يمشي" مطبخ" "يمشي" بشكل نمطي وتكراري وأثناء التقاطه أنفاسه في كل نوبة بكاء! حتى أن المسكينة اعتقدت أنه قد رأى ما يخيفه في مطبخ البيت فاستدعت شركة مكافحة الحشرات للقضاء على ما يخيف "نفنف".. ولكن "نفنف" مستمر في الانطواء، ومعرض عن المذاكرة بالشكل المطلوب، ومتجهم باستمرار!!
وله كل العذر، فسيراميك وسباكة المطبخ تنتظره في كل صباح، مذكّرة إياه بمسيرة تعليم شاقة، معمقة لوجوب تبني مفاهيم الخلاص منذ بداياتها!
شد حيلك يا "نفنف"!