حل اللغز الإيراني
يهم كل مراقب للمعادلة الاستراتيجية في هذا الجزء من العالم مسألة الطموح الإيراني وإرهاصات الحالة التصادمية مع الغرب ومدى تأثير ذلك في أوضاع دول المنطقة. يكمن اللغز الإيراني في تشابك حقب تاريخية وطموح سياسي وحالة ثورية وتركيبة سكانية فريدة، تشابك هذه الدوائر يصعب فهم المعادلة ولكنه ليس من المستحيل أن تفهم العناصر المكونة لها، ولذلك لعل أفضل طريقة لحل اللغز أن نحلل هذه الدوائر تباعا.
يشكل الإرث التاريخي جزءا مهما في حياة الضمير العاطفي والسياسي لكل الشعوب خاصة تلك التي لها إرث تاريخي حضاري معتبر مثل بلاد فارس وهذا في الغالب عامل إيجابي لامتداد واستمرار مخزون الفخر والاعتزاز والبداية الجديدة لعصر مشرق جديد، ولكنه قد يكون عبئا من خلال الكثير من الطاقة على التغني بالماضي وخلط الأحلام بالواقع المرير ومزيد من الحسرة والتشفي، فالكثير من الإيرانيين اليوم يعايش تنازعا في الهوية بين ماضي فارس من ناحية والحاجة إلى تعريف إيران بما يجاورها (تكون دائما المقارنة بما يجاورك وليس البعيد) فتجد إيران أخذت بالمذهب الشيعي بقرار في غالبه استراتيجي سياسي حيث أخذت به النخبة الصفوية (شاه عباس في القرن السادس عشر) في محاولة لمنافسة الحكام العثمانيين السُنة قبل عدة قرون، ومن ناحية أخرى، أصبحت الهوية الشيعية نزعة أخرى في تجاذب مرات وتكامل مرات أخرى مع النزعة القومية. لا تقوم ثورات إلا باستخدام الشعلة الأيديولوجية، ولعل المؤسسة الشيعية بما تحمل من رموز دينية لمصدر خصيب. وبعد مرور أكثر من جيل على ثورة لم تستطع تحقيق الطموح الإيراني الشعبي في تحقيق مكاسب مادية لعامة الناس، فنحو 30 في المائة من سكان إيران لا يزالون في مستوى أو تحت خط الفقر، وتستهلك إيران نحو نصف إنتاجها من النفط ليس بسبب تطور في المكانة الاقتصادية ولكن بسبب الدعم غير الاقتصادي للوقود حيث الوقود في إيران يعتبر من أقل الأسعار عالميا (لم تستطع الحكومة رفع الدعم بسبب عدم قدرتها على تقديم نجاحات اقتصادية بديلة على خلفية وعود ثورية) مما أدخل إيران في دائرة غير خيرة خاصة في ظل مركزية الصناعة النفطية في الاقتصاد الإيراني، ولعل في ذلك درس للدول النفطية، أعطت حرب العراق وإيران حياة أخرى لهذه الحقبة الثورية، حيث دافعت إيران الثورة عن إيران، ثم يأتي العامل الذري الآن كوسيلة أخرى لتجنيد الجبهة الداخلية للدفاع عن إيران الثورة، ولكن الخصم اليوم ليس العراق ولكنه الغرب وإسرائيل، لا يمكن لإيران أن تدافع أيديولوجيا دون ذكر إسرائيل. تحاول إيران الثورية جاهدة التطور مستخدمة التطور العسكري والذري كوسيلة لهذا التطور على عكس التطور المنظم والمتوازن الذي شهدته كوريا وماليزيا وغيرها من الدول التي استطاعت أن تهرب من قائمة العالم الثالث. فالمراقب لإيران اليوم لا يجد تطورا اقتصاديا فأغلب المباني لا تزال منذ العهد الملكي والصناعات الإيرانية لا تستطيع المنافسة عالميا، حيث إن سياسة الاستبدال بالمستورد في الأدوية والمواد الاستهلاكية لا يمكن أن تصمد أمام منافسة الدول الأكثر تقدما ولا تزال إيران بنحو 15 في المائة من مخزون العالم من الغاز الطبيعي دون المستوى المأمول من الصناعات البتروكيماوية، حاول الرئيس السابق خاتمي إجراء بعض التحرر الاقتصادي والاجتماعي دون لمس جوهر النظام سواء سياسيا أو من ناحية سيطرة الحكومة على كل الأذرعة الاقتصادية حتى وصل الرئيس أحمدي نجاد إلى دفة الحكم وأتى ارتفاع أسعار النفط ليساعد في الحفاظ على تركيبة النظام غير المواتية لتقدم اقتصادي وتعصب أيديولوجي وطموح ذري ما زاد في إلحاح الغرب على المقاطعة الاقتصادية بما في ذلك من أذى على الاقتصاد الإيراني. لا يمكن التطرق إلى الحالة الإيرانية دون فهم التركيبة السكانية الإيرانية لما لذلك من تأثير على الوضع السياسي في المدى الطويل. يشكل الفرس نحو 55 إلى 60 في المائة من السكان ويسكنون في الغالب أواسط إيران، بينما تسكن الأقليات الأطراف، فالآذريون الذين يشكلون نحو 15 إلى 20 في المائة من السكان في الشمال وفي تواصل جغرافي وسكاني مع أذربيجان، والأكراد نحو 8 إلى 10 في المائة من السكان، والعرب في الجنوب الغربي نحو 5 إلى 8 في المائة من السكان، والتركمان في الشمال الشرقي نحو 3 إلى 5 في المائة من السكان ومثلهم البلوش في الجنوب الشرقي، وهناك أقليات أخرى صغيرة، كما أن هناك انقسامات مذهبية فليس السنة الذين يشكلون نحو 10 في المائة في حالة مريحة، ناهيك عن أقليات دينية أخرى، تستخدم إيران الطموح الذري كورقة عمل فهي في حال دفاع عن الثورة وطبقتها الحاكمة وهجوم من خلال أمل للعامة في تطوير إيران.
تعايش إيران حالة فريدة فهي في جوهرها قومية وطامحة وفي خارجها لا تزال تأمل في استخدام الورقة المذهبية من خلال المواطنين من الشيعة في الدول المجاورة (تراهن إيران على استغلال الاختلافات المذهبية) ولبنان حيث كان الرهان على رصيد الخصومة العربية مع إسرائيل مفيد جدا. أفشلت إيران الثورة طموح الشاه في تطوير إيران وهي الآن تدخل مرحلة جديدة ولعل العامل الأهم هو محاولة ما سيفعله الغرب تجاه مساعدة الشعب الإيراني في التخلص من الرهان الآيديولوجي لحساب العقل والتنمية حيث يستحق الشعب الإيراني التنمية المتوازنة والحرية الاجتماعية وبناء المثال الطيب لدول المنطقة كبلد كبير قادر على كسر الشكوك وإحياء النظرة البعيدة لعلاقات صحية لا تسمح للدول الغربية بالتدخل.
تختلط الرغبات والطموحات والمدى الثوري وإنجازاته وإخفاقاته وهيمنة الطبقة الدينية وهواجس التركيبة السكانية بطموح إيران الذري الذي أصبح سقفا جديدا لطموح إيران وخطا أحمر لعالم يرى فيه الغرب وغيره تهديدا جديدا في منطقة مهمة نفطيا واستراتيجيا.