المطلوب إعادة دراسة الشخصية السعودية
في السياق الطبيعي لأي مجتمع فإن العلاقة بين الفقر والجريمة هي علاقة طردية، بمعنى أنه كلما ازداد معدل الفقر في مجتمع من المجتمعات.. كلما ازدادت معدلات الجريمة والعنف في هذا المجتمع.
ولكن إذا طالعنا الصحف السعودية في هذه الأيام واستمعنا إلى أحاديث الصوالين والأندية والشارع.. نجد أن أخبار الجرائم والعنف تتصدر الأحاديث وبالذات الجرائم من النوع الثقيل كالقتل والسطو المسلح والاغتصاب والمخدرات والعنف والتزوير وآخرها التغرير بالشباب اليافع للانخراط في سلسلة من الأعمال الإرهابية التي تتنافى مع طبيعة الشخصية السعودية.
نحن هنا لا نستطيع أن نصنف المجتمع السعودي ضمن شريحة المجتمعات الفقيرة، بل بالعكس فإن متوسط دخل الفرد في السعودية يقترب من 32 ألف دولار سنويا أي أنه يضارع متوسط دخول الأفراد في دول متقدمة كثيرة، كما أن الاقتصاد السعودي يمر بمرحلة من مراحل الرواج والازدهار والنمو بمعدلات عالية.
ولكن واضح من خلال أخبار الحوادث في الصحف السعودية أن الرفاهية الاقتصادية أضافت إلى الشخصية السعودية مجموعة من القيم السلبية وفي مقدمتها إعلاء قيمة المال وتحويل المجتمع إلى مجتمع استهلاكي، إضافة إلى ذلك انتشار ظاهرة التسرب الوظيفي وإهمال جودة العمل، وكذلك شيوع صفات السلبية بين شرائح كبيرة من الناس إلى درجة أنهم أصبحوا يديرون ظهورهم لما هو عام ويتفانون في عمل كل ما هو خاص، وتهميش دور العقل في فهم النصوص الدينية الصحيحة كذلك انتشرت ظاهرة الميل إلى النفاق والمداهنة لمن هو أعلى وأقوى، كذلك الميل إلى القسوة والعنف ضد من هم أقل وأضعف، والاهتمام شكليا بمظاهر الدين دون تطبيق مبادئه السمحاة، كما يلاحظ على شريحة من الشباب انخفاض درجة الخوف من السلطة والميل إلى المنافقة والمداهنة، وفي الوقت نفسه الميل إلى القسوة المفرطة واستعلاء الفردية والأنا، والظن أنه من الممكن تحقيق الأحلام بوسائل أخرى غير العمل.
كما يبدو أن شرائح من المجتمع السعودي تتجه إلى سمات سلبية أخرى منذ السنوات الخمس الماضية بسبب عدم التصدي إلى معالجة القيم السلبية التي حملتها الشخصية السعودية منذ الفورة الاقتصادية الأولى التي بدأت في عام 1980مما عمق قيما سلبية جديدة كالتفكك الأسري والاتجاه نحو السطحية والاستسهال والغش التجاري والسمسرة والمضاربات كما يوضحه سوق الأسهم وسوق الأراضي وسوق الجوالات.. إلى جانب ذلك إعطاء مشروعية للرشوة التي لم تعد تمارس في الخفاء بل أصبحت رائجة مع ثلة من أشكال وألوان الفساد كالكسب السريع ونهب الثروات.
وفي الشهر الماضي أصدر البنك الدولي للإنشاء والتعمير تقريرا عن شباب العالم تحت عنوان التنمية والجيل المقبل وخص شباب الشرق الأوسط بكثير من الاهتمام انطلاقا من أن مستقبل أي دولة مرهون بمستقبل الشباب، وأشار التقرير إلى أن عدد الشباب في الشرق الأوسط يصل إلى نحو 100 مليون شاب من الفئة العمرية بين 12 و24 عاما وذكر التقرير أن الشباب يشكلون 50 في المائة من العاطلين عن العمل وأن هذه النسبة تعتبر قنبلة موقوتة ستنفجر في شكل موجات من الجرائم المنظمة وغير المنظمة، وفي الوقت نفسه يرى التقرير أن هذه النسبة العالية من الشباب تعد مكسبا كبيرا لدول الشرق الأوسط إذا ما وضعت لهم البرامج المناسبة لإكسابهم المهارات كي ينخرطوا في المجتمع العامل ويسهموا في بناء البلاد وتنفيذ برامج التنمية المستدامة.
وفي ضوء هذا التقرير المهم نتصور أن الشخصية السعودية تحتاج إلى دراسة مسحية عاجلة لأنه مع التسليم بوجود هذه القيم السلبية الجديدة على مجتمعنا، إلا أن الجانب الأكبر من المجتمع السعودي ما زال يحمل شعلة القيم الإنسانية ويحتفظ بمخزون ضخم من المثل والأخلاقيات ولذلك يمكن القول إن الإنسان السعودي عندما تتاح أمامه فرص الإصلاحات الإنسانية، فإنه يلتف حولها ويسير تحت لوائها ويعود إلى أصالته ونضارته واستقامته.
إن مشروع إعادة هيكلة الاقتصاد الوطني وتشكيل المجلس الاقتصادي الأعلى وتحويل السياحة الدينية إلى مورد والترحيب بالاستثمارات الأجنبية وتكريس نظام الخصخصة لبعض المشاريع الحكومية، وتمليك العقار ـ لأول مرة ـ لغير السعوديين والانضمام إلى الأسواق العالمية الكبرى (منظمة التجارة العالمية).
إن هذه المجموعة من البرامج والمشاريع.. تعتبر مقدمة لإحداث تحولات ضخمة في المجتمع السعودي مثل التحولات التي أحدثتها إيرادات النفط منذ عام 1938م. ولكن ما يميز التحولات الهائلة التي حدثت بفعل النفط عن التحول الهائل المتوقع حدوثه بفعل الانخراط في النظام الاقتصادي العالمي الجديد.. هو أن وتيرة التطورات الاجتماعية التي أحدثتها إيرادات النفط كانت بطيئة نسبيا مقارنة بما نتوقعه من تطورات هائلة ستشهدها الشخصية السعودية في السنوات العشر المقبلة.
إن الأهداف التي ينوي تحقيقها الإصلاح الاقتصادي السعودي هو إحداث تحول في هيكل إيرادات الدولة لصالح تنويع مصادر الدخل دون الاعتماد على النفط كمورد وحيد ، كما أن الإصلاح الاقتصادي هدفه بناء المؤسسات القادرة على استيعاب نحو 38 مليون نسمة نصفهم ممن تقع أعمارهم بين 15 و25 عاما. كما أن الإصلاح الاقتصادي يسعى إلى توسيع دوائر قيام القطاع الخاص بدور فعال في بناء مؤسسات المجتمع المدني كإنشاء الجامعات الأهلية ذات التخصصات التي تتواءم مع طلب سوق العمل المحلية، وكذلك إنشاء الشركات الكبرى المملوكة لرجال المال السعوديين وغير السعوديين.
ولكن مع أهمية هذه المشاريع الاقتصادية فإننا إذا أردنا أن نسير على طريق التنمية والنهضة.. يجب أن نبدأ بإصلاح الإنسان وإعادة ترميم شخصيته وتنظيفه من القيم السلبية. وحقيقة نقول إن الشخصية الإنسانية لا تتكون فقط من العناصر المادية بل إنها معجون ثقافي وروحي ومادي واقتصادي، فإذا توافر المال لا يعني ذلك الحصول على شخصية رومانسية مسالمة، بل أحيانا توفير المال قد يؤدي إلى مفسدة وإلى ضلال وإلى الانخراط في الجريمة.
من هنا يأتي دور الدين والدين الإسلامي على وجه التحديد في علاج الشخصية السعودية التي فطرها الله على دينها الأقوم.
ولا شك أن دراسة الشخصية السعودية تفيدنا في إعادة الشخصية السعودية إلى طبيعتها المسلمة العاملة المسالمة الحالمة بمستقبل وارف في ظل حياة مستقرة كريمة.
مرة أخرى نؤكد أن ما نشاهده الآن في الشارع السعودي وما نقرؤه في صفحات الحوادث للصحف السعودية يثير الخوف على الشخصية السعودية المتفردة في موقعها الجغرافي الإسلامي ذي البعد التاريخي المتميز.
إن الإصلاح الاجتماعي فريضة يجب ألا تغيب عن الدولة وعن الجامعات وعن المجتمع ككل. بمعنى إذا كنا في العقد الماضي نحتاج إلى الإصلاح الاقتصادي فإننا الآن أحوج ما نكون إلى إصلاح الإنسان وإعادة ترميم شخصيته وتنظيفه من القيم السلبية وإعادته إلى حظيرة القيم والمثل التي كان يتمتع بها الإنسان السعودي منذ عهود الآباء والأجداد.