رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


المدن الاقتصادية .. خطوة على طريق النجاح

[email protected]

تلعب البيئة الاستثمارية الجيدة دوراً كبيراً في جذب الاستثمارات الأجنبية وتوطين التقنية واستيراد الخبرات المتميزة القادرة على تحقيق قيمة مضافة إلى الاقتصاد الوطني. ومن هذا المنطلق جاءت فكرة إنشاء المدن الاقتصادية لتكون بيئة تتكامل فيها ظروف المكان مع الموارد المالية لتأسيس بيئة حاضنة للاستثمارات بمختلف أشكالها سواء في القطاعات المعرفية أو الصناعية أو الخدمية. وجاءت المدن الاقتصادية الخمس في كل من رابغ ومكة والمدينة وحائل وجازان، لتؤكد أهمية أن يكون للمملكة موقع متميز على خريطة العالم من حيث جذبها الاستثمارات الأجنبية، وذلك انطلاقاً من توافر الميزات النسبية فيها من موقع استراتيجي جاذب، وموارد طبيعية تهيئ للنهوض بقطاع الصناعة، وموارد مالية تمكن من حشد هذه الموارد وتسخيرها لتحقيق إنتاج مادي يزيد من تنوع الاقتصاد، ويقلل من اعتماده على النفط مصدراً أساسياً للدخل الوطني.
الفكرة رائعة بكل المقاييس خصوصاً أنها تستند إلى دخول الدولة شريكاً في المشروع من خلال توفير الأرض اللازمة لقيام المدينة وقيام القطاع الخاص باستثمارها من خلال الشركة المطورة للمشروع مما يعني عدم تحميل ميزانية الدولة أعباء توفير البنية التحتية اللازمة للمدينة، وتخلص مطور المشروع من العوائق البيروقراطية المعطلة لمثل هذه المشاريع الاستراتيجية. إنها لفكرة جيدة أن نعطي للقطاع الخاص الفرصة لتوفير البيئة الاستثمارية التي يعتقد أنها الأنسب لقيام الاستثمارات بدلاً من الاعتماد على البيروقراطيين الذين عجزوا عن توسعة المدن الصناعية وتحسين خدمات الموانئ مما أدى إلى هروب كثير من الاستثمارات الوطنية إلى دول مجاورة بحثاً عن ميزات نسبية أفضل. الفكرة تتفق أيضاً مع النظرية الاقتصادية من حيث تقليص دور الدولة في إدارة النشاط الاقتصادي وحصر نشاطها في عملية التنظيم والاعتماد على آلية السوق ما أمكن. لكن يبقى الكثير من الأمور التي أعتقد أنه من المهم مراجعته والوقوف عليه قبل البدء في مشاريع بهذه التكلفة (250 مليار ريال) حتى ولو كان القطاع الخاص سوف يقوم بتمويلها، فمهمة الدولة ممثلة في الهيئة العامة للاستثمار في هذه الحالة ترتكز على التأكد من توافر العناصر التي سوف تؤدي إلى نجاح هذه المشاريع وتحقيقها لالهدف المنشود وإلا تحولت إلى كارثة اقتصادية ستنخر في عظم الاقتصاد الوطني وتهز أركانه. من هذه الأمور عدم أخذ هذه المشاريع الوقت الكافي من الدراسة والبحث والتقصي لآثارها الإيجابية والسلبية. فحسبما أعرف ويعرف الجميع أن هيئة الاستثمار أعدت دراسات متعلقة بهذه المشاريع ولكن الظهور المفاجئ لها أثار الكثير من التساؤلات عما إذا كانت هذه المشاريع قد أخذت حقها من الدراسة والبحث. والمسألة ليست مجرد دراسة جدوى اقتصادية لمشروع صناعي وإنما نحن بصدد مشروع مدينة متكاملة تحتوي على أنظمة متعلقة بالنشاط الصناعي والخدمي وعلى أنشطة متعلقة بالبنية التحتية وغيرها. كما أن عملية تمويل هذه المشاريع ستتم من قبل القطاع الخاص، حيث إن الشركات المطورة لهذه المشاريع ستطرح في اكتتابات عامة، الأمر الذي يعني المخاطرة بمدخرات الكثير من المواطنين في هذه المشاريع، فإن ذلك يتطلب مزيداً من الجهد في مجال الدراسة والبحث فيما يتعلق بجدوى هذه المشاريع.
الأمر الآخر يتعلق بتوقيت طرح هذه المشاريع وما قد يؤدي إليه من تقويض لفرص نجاحها. فالمدن الاقتصادية سوف تطرح في أوقات متقاربة خلال هذا العام، وبالطبع تم طرح مدينة الملك عبد الله الاقتصادية العام الماضي، والمشكلة لا تتعلق بالطرح للاكتتاب العام نفسه ولكن تتعلق بعملية التسويق للفرص الاستثمارية داخل هذه المدن. فطرح هذه المدن في وقت واحد سوف يؤدي إلى عرض كبير للفرص الاستثمارية في كل مدينة مما قد يؤدي إلى إعطاء المستثمر قوة تفاوضية أكبر في مواجهة الشركات المطورة، وهذا سوف يقوض فرص نجاح هذه الشركات أو قد يحد منها. إضافة إلى ذلك فإن عملية طرح المشاريع بشكل زمني متتابع سوف تؤدي إلى تراكم خبرات فيما يتعلق بإدارة مثل هذه المدن، مما سيؤدي بكل مدينة اقتصادية إلى تلافي الأخطاء التي وقعت فيها المدن السابقة لها.
أمر آخر يتعلق بالكيفية التي سيتم عليها بناء العلاقة بين الشركات المطورة والمستثمرين داخل هذه المدن، حيث إنه لم يتم توضيح الكيفية التي سيتم بها بناء هذه العلاقة وتحديدها بشكل يضمن عدم محاولة أي طرف الاستفادة على حساب الآخر. فعملية إدارة هذه المدن سوف تقوم بها الشركات المطورة والتي بدورها سوف تتلقى عائداً من جراء قيامها بإدارة هذه المدن يتمثل في الرسوم على توفير خدمات البنية التحتية في هذه المدن. والسؤال كيف سيتم تحديد هذه الرسوم أو زيادتها أو تخفيضها، وإذا قلنا إن السوق ستحدد هذه الرسوم فأعود إلى النقطة السابقة المتعلقة بتوقيت طرح هذه المشاريع، والذي أعتقد أنه سيؤدي إلى تنافس في تقديم الميزات للمستثمرين مما قد يقوض فرص نجاح الشركات المطورة ومن ثم التأثير في إمكانية استمرارها في إدارة هذه المدن. أيضاً من المهم توضيح الطريقة التي تتم بها تسوية النزاعات بين الشركات المطورة والمستثمرين، فهل ستنصب هيئة الاستثمار نفسها قاضياً بينهم أم هل سيتم الرجوع إلى الجهاز القضائي في المنطقة التي تقع فيها المدينة. وكيف يمكن تحديد صلاحيات الشركات المطورة بحيث لا تكون تسلطية وتعسفية في مواجهة المستثمرين.
إن فكرة المدن الاقتصادية فكرة رائدة وما تبنيها وما الدعم اللا محدود الذي قدمته القيادة متمثلة في شخص خادم الحرمين الشريفين، حفظه الله، إلا دليل على الإصرار على المضي قدماً في سبيل التنمية الاقتصادية وعلى السير بخطى واثقة إلى مصاف الدول المتقدمة. وفي سبيل تحقيق هذا الهدف الذي تصبو إليه هذه القيادة ويصبو إليه كل مواطن فإنني أرى أن هذه المدن بهذا الحجم من الاستثمارات تستحق المزيد من الدراسات في سبيل الخروج بها بشكل يضمن تحقيق أعلى العوائد منها على الاقتصاد الوطني.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي