رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


من التنافس الرياضي إلى التنافس العلمي .. كيف؟

[email protected]

لست بصدد الحديث عن التقليل من أهمية الرياضة والترويج لفكر متحجر يلغي الرياضة من حياة الناس ويرى أنها ترويح غير بريء ومضيعة للوقت والمال ولا يرى أنها عنوان للتحضر والتواصل الإنساني مع بقية شعوب العالم وأداة فاعلة في الإعلان عن أنفسنا، ولكنني في الوقت ذاته يستوقفني لدرجة الانبهار والدهشة. هذا الاهتمام الرسمي والشعبي الطاغي بحيث تحتل الرياضة درجة متقدمة في سلم الأولويات على بعض القضايا الملحة مثل التعليم والإسكان والصحة. فها نحن نبذل جهودا جبارة ونعمل الفكر ونعقد الندوات وندير حلقات النقاش وننشئ قناة تلفزيونية متخصصة ونضع الخطط ونجلب المدربين واللاعبين الأجانب وننفق مئات إن لم يكن ألوف الملايين من الريالات في سبيل الحصول على قصب السبق أو الظفر بمركز متقدم في المنافسات الرياضية داخليا ودوليا. ويبدو هذا الأمر غريبا عجيبا نسبيا حين نربطه بالمرحلة التاريخية للأمة والأوضاع والتحديات التي تواجهها وما تتطلبه من تسخير للجهود والموارد في مجال البحث والتطوير العلمي جوهر التقدم ومقياس التحضر والقوة الحقيقية لأي مجتمع. بنظرة نقدية فاحصة لما يدور حولنا نجد أن هناك مفارقة عجيبة، فحين يفتقد قطاع التعليم العام والعالي مقوماته الأساسية التي تضمن جودة التعليم والبحوث والدراسات، بينما نجد أن قطاع الرياضة يحظى بكل الاهتمام والرعاية في توفير جميع متطلباته من ملاعب وأندية ودعم مالي سخي، كل ذلك يدعو للتأمل طويلا ومراجعة أولوياتنا. لقد تحولت الرياضة إلى قطاع يستنزف الأموال والموارد حتى أصبح أجر اللاعب الواحد يقدر بالملايين ويحظى بالرعاية الإعلامية والاهتمام الشعبي وتسلط عليه الأضواء من كل حدب وصوب ويكون حديث المجالس ومحور حديثهم ونقاشاتهم، هذا إضافة إلى تكاليف المدربين الخيالية والنقل التلفزيوني الذي يقدر بالملايين. لا شك أن هذا أمر يستلزم الوقوف عنده والتفكير فيه مليا، فقد أصبح هاجس الناس المنافسات الرياضية وحسب، ولم يعد يعنيهم إلى حد كبير أي شيء آخر. لقد وصل الحال إلى أن يتمنى كثير من الناس لأولادهم أن يكونوا يوما ما رياضيين يجنون الأموال والشهرة وليس علماء وباحثين وطلاب علم يقبعون في معاملهم وبين كتبهم وأبحاثهم لا يأبه بهم أحد ولا تتاح لهم الفرصة في أغلب الأحيان للمشاركة في صناعة القرار وتقديم المشورة والدراسات الميدانية حيث مهمتهم الرئيسة ودورهم الحقيقي، وما هذا التراخي في الطموح العلمي والتحصيل الدراسي إلا نتيجة لذلك. وبمقارنة أجور أعضاء هيئة التدريس على سبيل المثال مع أجور اللاعبين المحترفين نجد أن هناك بونا شاسعا تكون فيه الكفة لصالح اللاعبين، بل حتى بيئة العمل والظروف المحيطة وكل ما يستلزم نجاح اللاعبين في أداء مهمتهم تم بدرجة كبيرة من الكمال وحسب المعايير المهنية. إنه تناقض في القيم الاقتصادية وإلا كيف نفسر انخفاض أجور أعضاء هيئة التدريس الذين لهم تأثير مهم وأساسي في المجتمع مقارنة بأجور اللاعبين الذين لا يمثلون إسهاما يوازي إسهام أعضاء هيئة التدريس! أعلم أن هناك تفسيرا في علم الاقتصاد لهذا التناقض بين القيم مبني على أن المقارنة يجب ألا تكون على أساس المقارنة الكلية للقيمة، بمعنى لو خير المجتمع بين أعضاء هيئة التدريس جميعهم أو اللاعبين المحترفين جميعهم لاختاروا أعضاء هيئة التدريس، ولكن المقارنة تكون حسب القيم الحدية أي عندما يكتفي المجتمع من أعضاء هيئة التدريس فإن الأعضاء الإضافيين يكونون أقل منفعة مقارنة باللاعبين الإضافيين الذين لم يتشبع منهم المجتمع بعد. لكن يبقى السؤال: هل حقق المجتمع حد الاكتفاء من العلماء والباحثين والدارسين؟ وإذا كان الرد بالإيجاب فكيف نفسر النقص الهائل الذي نعانيه من المهندسين والأطباء والباحثين، والدراسات والبحوث التطويرية وغياب المبتكرات الصناعية والتقنية؟! إن ما يلفت الانتباه هو ذلك التضييق المالي على الجامعات في جلب كوادر أجنبية من دول متقدمة بحجة أنها مرتفعة الأجر واستعيض عنها بكوادر ضعيفة الخبرة والدراية. الجميع يعلم أن وزير التعليم العالي لا يألو جهدا ومن بعده مديرو الجامعات في بذل قصارى جهدهم في تذليل العقبات وتحقيق الأهداف وتطوير العملية التعليمية، إلا أنهم يواجهون معضلة حقيقية تتمثل في المخصصات المالية، خاصة فيما يتعلق باستحداث الوظائف وأجور أعضاء هيئة التدريس التي لا تتناسب مع دورهم في المجتمع والتكاليف الضخمة التي أنفقت من أجل تطويرهم وتدريبهم. كما أن النظام المالي لا يتيح لهم الفرصة بتوجيه الإنفاق من مخصصاتهم حيث يرون المصلحة، فهم مقيدون بأبواب الميزانية والبنود. لقد أدرك قائد الأمة وزعيمها الملك عبد الله، حفظه الله ورعاه، هذه المعضلة فأمر، حفظه الله، باستحداث وظائف المعيدين إلى ستة آلاف وظيفة خلال السنوات الثلاث المقبلة، وهذا بلا شك سيكون دعما قويا لمسيرة التعليم العالي والإعداد للأجيال المقبلة من هيئة التدريس والباحثين الذين يتزايد عليهم الطلب عاما بعد عام. إن دور الجامعات لا يقتصر على مهمة التدريس بل يتعداها إلى البحوث والدراسات والاستشارات وكلما اعتمد في أداء المهام والأعمال على المعايير المهنية كلما ظهرت الحاجة إلى هذه الدراسات والبحوث والاستشارات. وأعتقد بل أجزم انه في ظل التوجه الإصلاحي الذي يقوده الملك عبد الله، حفظه الله، إضافة إلى سياسة الانفتاح الاقتصادي وجلب الاستثمارات الخارجية والشركات الدولية سيكون هناك طلب متزايد على البحوث التطويرية لتقديم سلع ومنتجات جديدة نوعا وكما وجودة. إذ لا يصح في ظل التوجه نحو التنمية الاقتصادية والصناعية والطموح إلى احتلال مركز متقدم في المنافسة الاقتصادية ألا يتم الاهتمام بتطوير مراكز البحث في الجامعات وتهيئة كل ما من شأنه الارتقاء بالقدرة الصناعية الوطنية وتقديم مبتكرات وإبداعات بعقول وجهود وطنية.
إن الدرس المستفاد من تجربة قطاع الرياضة هو أنه متى ما كان هناك عزيمة وإصرار ودعم وتخطيط والتزام بالتنفيذ يكون النجاح والتوفيق. إنها معادلة يجب أخذها بعين الاعتبار في التخطيط لقطاعات أخرى خاصة قطاع التعليم. فلو تم وضع استراتيجية في أن جميع المدارس ستكون مبنية غير مستأجرة في عام محدد على سبيل المثال 2015، ومن ثم توضع نسب محددة لكل عام يتم مراجعة ما تحقق. إن أهمية التعليم يعجز اللسان عن وصفها في تحقيق التطور والتنمية الاقتصادية والاجتماعية. فهذه كوريا التي لم تكن شيئا مذكورا في عالم الصناعة والاقتصاد العالمي قبل خمسة عقود ها هي الآن تحتل مركزا متقدما بين الدول الصناعية والسبب، أنها في البداية نذرت جل مواردها للتعليم على حساب قطاعات أخرى حتى غدت دولة صناعية من الطراز الأول. ومن بعد كوريا تأتي ماليزيا البلد المسلم الذي أثبتت أن الدين الإسلامي دين يحث على العمل والجد والاجتهاد وبالتخطيط السليم والالتزام الشديد بما يقرر من استراتيجيات تصل إلى أهدافها. أما اليابان التي لا تملك من الموارد الطبيعية شيئا ولكن اعتمادها على العنصر البشري وتأهيله وتوظيفه من خلال خطة مدروسة وبعد أن دمرت الحرب العالمية كل شيء قامت منتفضة وتمكنت من أن تكون من السبع العظام في الاقتصاد العالمي وما تجربة ألمانيا عن اليابان ببعيدة، كلها تشير إلى أن العنصر البشري هو أساس التقدم التقني والصناعي والعامل الأهم في المفاضلة بين الدول المتقدمة والدول النامية. إن ما علينا إدراكه هو أن هناك منافسة حقيقية خفية بين الدول في تحقيق مراكز متقدمة بين طلابها خاصة في المواد العلمية. فهناك إحصائيات سنوية تشير إلى نسبة التفوق في مادة الرياضيات على سبيل المثال بين طلاب دول العالم. إن هذا مؤشر لمعرفة المخزون من القدرات والكفاءات المبدعة، وهذا بطبيعة الحال لا يتأتى إلا من خلال خطط مدروسة ودعم كبير وأنظمة متطورة تسهم في الارتقاء بالعملية التعليمية. إن ما علينا عمله هو إعادة تقييم للأولويات بما يتفق مع المعطيات والمستجدات على الساحة الداخلية والعالمية. فالجامعات يلزم أن تتحول إلى مؤسسات غير ربحية ويكون لها مجلس أمناء بحيث تتم رعاية بعض البرامج الأكاديمية والتخصصات العلمية من قبل القطاع الخاص. وتكون لدى الجامعات الاستقلالية المالية والإدارية بحيث تتلقى الدعم الحكومي على شكل مبلغ مقطوع سنويا إضافة إلى ما تتلقاه من هبات ودعم مالي من القطاع الخاص ويخول مجلس الأمناء بوضع ميزانية حسب رؤيته واستراتيجيته التي سينتهجها. إن البحث العلمي هو مفتاح التنمية الاقتصادية ولن يكون لنا فرصة لاقتحام المنافسة في الاقتصاد العالمي إلا من خلال إعداد الكوادر الوطنية المؤهلة والدراسات التطويرية والبحوث الميدانية لتحويل الطموحات والرؤى إلى واقع ملموس، عندها فقط نستطيع أن نلتفت إلى المنافسات في الميادين الأخرى. أخيرا سأترك لكم التعليق على تقرير أثار انتباهي يفيد أن تكلفة حفل افتتاح دورة الخليج الـ 18 المقامة حاليا في الإمارات الذي لم تتجاوز مدته 30 دقيقة بلغت ما يقارب 25 مليون درهم إماراتي!! وقبل ذلك حفل افتتاح دورة الألعاب الآسيوية الذي نظمته قطر أخيرا، وأنا على يقين أن التكاليف كانت باهظة جدا!! ولكن للأسف فقط للتلميع الإعلامي والتطور الشكلي بعقول وجهود غير وطنية.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي