رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


هل كان الحكيم الصيني حكيما؟

كنت قد قرأت ذات حين حكاية أوردها الدكتور إبراهيم الفقيه، أحد أبرز أعلام علم النجاح والبرمجة العصبية في كتابه "المفاتيح العشرة للنجاح" عن حكيم صيني سأله شاب: ما سر النجاح؟ فرد الحكيم: الدوافع، ثم سأل الشاب: من أين تأتي الدوافع؟ فرد الحكيم: من رغباتك المشتعلة، وسأل الشاب: كيف؟ استأذن الحكيم وذهب ثم عاد ومعه وعاء كبير مملوء بالماء وطلب من الشاب النظر فيه، ودفع الحكيم فجأة برأس الشاب وأمسكه بقوة مغمورا بماء الوعاء، قاوم الشاب لكن الحكيم ضغط أكثر، زاد الشاب مقاومته إلى أن أفلح في الإفلات من قبضتي الحكيم، صرخ الشاب بهلع وغضب في وجه الحكيم: كدت تقتلني!
احتفظ الحكيم بهدوئه وابتسامته وهو يسأل الشاب: قل لي يا بني ما تعلمت من تلك التجربة؟ وبنزق وقرف رد عليه: لم أتعلم شيئا، ابتسم الحكيم وقال: لا يا بني .. تعلمت الكثير، ففي المرة الأولى لم تكن مقاومتك كافية، وفي الثانية كانت مقاومتك أشد، وفي الثالثة بلغت رغبتك أوج اشتعالها فتمكنت فعلا من تخليص نفسك.
أصارحكم القول .. لقد شعرت بالارتباك وأنا أقرأ هذه الحكاية، كنت موزعا بين مشاعر متلاطمة تجاه الحكيم، أبرزها: أي حكيم هو هذا الذي يتلذذ بتعذيب الآخرين ولم يجد وسيلة للإقناع سوى الرعب؟ ثم .. ما أدرانا إذا ما كان هذا الحكيم لديه نيات شيطانية وأن ما حدث كان مكيدة للشروع في القتل حال دونها تخليص الشاب نفسه؟ أو أن الحكيم أخذ سؤال الشاب على أنه من باب السخرية به والتعجيز فبيت له هذا العقاب. وأخيرا .. أليس من المحتمل أن الحكيم قد قام بتلفيق دوافع تربوية لمكيدته ليتستر على نياته الشريرة؟ قلت كانت مشاعري متلاطمة: هل أضحك؟ هل أسخط؟ هل أتأمل؟ واخترت الأخيرة. لأن من غير المنطقي القبول بالإصرار على رؤية الأشياء من زاوية واحدة أو الخضوع للوصاية في الفهم والتفهيم والإفهام. فللحقيقة أكثر من وجه بما فيها الوجه غير السار المحتمل لحكاية الحكيم. وهنا تكمن فكرة القبول بالاختلاف التي هي جوهر فكرة التسامح والديمقراطية وحرية الفكر والتعبير واحترام قناعات الآخرين وبأن: "رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأيك خطأ يحتمل الصواب"، كما قال الإمام الفقيه الشافعي وتراثنا الثقافي مليء بالأصوات التي ناصبت العداء لإطلاق باب سد الذرائع لقمع ملكة الإنسان في التفكير. دونكم قول سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟". وأي عبودية أكثر من إرغام الأذهان على مستوى واحد من الفهم وأن تجري عليها قاعدة الأواني المستطرقة وأن تسير في طريق إجباري ذي اتجاه واحد. ذلك عصر دال وانقرض ليس بالأمس القريب وإنما منذ اكتشف هيروقليدس قبل أكثر من 2500 عام قانون التطور والتغير. "إنك لا تسبح في مياه النهرين مرتين" ولا يعقل أن نبقى نصرخ في وجه بعضنا في النقاش "لا .. لا .. أبداً .. بالعكس" أي ندور 180 درجة في المائة بينما يقول جيراننا في الغرب والشرق: "أجل .. صحيح .. لكنني أعتقد ..".
أعود إلى الحكيم الصيني .. فقد يكون فعلا مربيا فاضلا "لكن" قد يكون أيضا شريرا، خصوصا حين نقتطع الحكاية من سياقها ونفصلها عن السيرة الذاتية لصاحبها. فالمثال المرعب الذي أقدم على تنفيذه الحكيم الصيني ليس بإمكانه أن يسد ثقوب الشك في أمر الحكيم ولا أن يخمد الهواجس فيه، وأنا هنا أتحدث عن الشك "الديكارتي" الإيجابي: (أنا أفكر، إذاً، أنا موجود) وعن الهواجس الفاضلة التي أشار إليها القرآن الكريم: (قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي) لذا ليس من الحصافة في شيء أن تستلبنا الأقوال أو الأفعال فنهرول خلفها ثم نكتشف أننا شربناها مقلبا ولا أن ننبذها ونعاديها لمجرد أنها مما لم تألفه أنفسنا أو لم .. بعد وعليه، فقد يكون الحكيم الصيني حكيما بالفعل "لكن" قد لا يكون سوى واحد من الأدعياء الأفاقين. وبالتالي فإن ما نحتاج إليه "بالضبط" هو هذه الـ (لكن) فلنفسح لها مكانا في صدورنا وعقولنا لتفسح الدنيا لنا فيها مكانا يليق بنا كغيرنا من الأمم.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي