رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


هؤلاء الرجال يحكمون! (2 من 2)

[email protected]

.. في داخل قرية صيد نسيها الزمنُ والتاريخُ في الصحراء المغربية، أحضرتْ ربة البيت الخبز الطازجَ لتوّه من فرنٍ في حوش البيت الصغير المبني من الحجر البحري، وكانت قد حلبت البقرة الهزيلة لتعد وجبة طعام لأسرتها، ولما انتهت من إعداد المائدة المتواضعة، توجهت آليا إلى صورة معلقة على الجدار ومسحت عليها وتمتمت بعض الدعاء العميق شاكرة نعمة ربها وطالبة صاحب الكرامة أن يشفع لها عنده. أما الصورة المعلقة لرجل ملوح البشرة تتسلل اللحية المتطايرة عبر وجهه الجاف الهزيل، وروح ابتسامة ضائعة على فمه، فلم تكن إلا لأسامة بن لادن.. المطلوب رقم واحد في لائحة الإرهاب العالمي.
هذا الصورة تتكرر في أكثر من مكان في العالم الثالث، وتنقلها دوريات عريقة تتناول الحضارة الإنسانية، إنه الغياب الممزوج بالإعجاب والمبهّر بالقداسة التي توفرها الروح التائقة لتأليه صورٍ ونماذج بشرية، وعندما يصل بشريٌّ لمرحلة أن يعامل بشيء يقارب أحواض العبادة، فإن هذا الشخص يكتسب حصانة خرافية عند مريديه، وبإمكانه أن يعمل أي شيء وبلا حدود، ومهما كان الأثرُ مدمرا وكارثيا، للاعتقاد بحكمة غيبية وبطولة سماوية، واستجلابٍ لنصر مأمول عبر الزمن.. لذا فإن أي نموذج من هذه الشخصيات يحكم أقوى من أي نظام، وعندما يكون أي نظام مهما بلغت قوته وسطوته وحتى عدله أو ظلمه قابلا للمعارضة أو النقد أو النقاش حوله، يبقى الشخص الكاريزمائي بمددٍ ديني لا يطوله النقد، وإنما التمجيد ولا شيء سواه، فيصير نيزكا منطلقا بلا جاذبية وبلا حدود تصده، وكل تصرف له يحمل أقدس التبرير.. وهنا مكمن القوة المتناهية.
تحدثتُ في المقال الماضي عن القوة الفردية التي تستمد قوتها من المعتقد، مشيراً إلى غيفارا، وتيتو وكاسترو وعبد الناصر وترويتسكي بأنهم استمدوا جمالياتهم الهائلة من المعتقد الفكري السياسي (مع أن الموضوع يحتمل أكثر من الجانب السياسي وحده) وفي نهاية ذاك المقال أشرتُ إلى أن هناك ثلاثة نماذج من الشخصيات التي تتحكم بالعاطفة العربية والإسلامية تحكما كاسحا.. إلا أن هؤلاء الثلاثة تتضاعف قواهم مقارنة بالنماذج العقائدية السياسية، لأنهم يبزغون ممثلين للدين والمنتمين إلى الدين بكل قضاياهم ومنافحين عنها، ويستطيعون بقوة إقناعهم أو بقوة شخصياتهم أو بعزم فولاذي في إرادتهم أن يقنعوا علماء يثق بهم جموع الناس لأخذ بطاقة المرور الأخيرة لعالم القداسة، ويتعدون فيها من منحها إياهم بسحرهم الشخصي، واندفاعهم الهائل لاجتراح اللامتصوَّر، نماذج من أندر الناس على الأرض الذين يملكون جسارة واندفاعا لتدمير العالم ومن يقف ضدهم، ولا أدري من ناحية التركيبة السيكولوجية لهؤلاء الأشخاص إن كانوا في حدود الاتزان العقلي وطارت بهم الحماسة للشسوعات، أم أنهم يواجهون اضطراباً زلزاليا في عقولهم ونفسياتهم، وقرأت كتبا متعددة عن كل شخص على حدة من هؤلاء وبالذات من المصادر الأجنبية، وتجد مع الوقت وبشكل غريب وغامض أن المؤلف مع الوقت يقع في هوى من يكتب عنه، وإن كان في النهاية القصد هو التحدث عن إرهابي يبعث الخوف في أوصال العالم.. أقول لك إن تأثيرهم الكاريزمائي رهيب التسلط والاتساع، ولمن يريد أن يتصدى لهذه الحال أن يعطيهم واقع هذا التفوق ويعترف به ليتمكن من بدء دراسة حقيقية عنهم.. ولما تقرأ في أدب الإجرام لمؤلفين كبار في العالم وبعضهم يحمل الشهادات العليا في دراسات الجريمة أو التحري أو يكون عالما في النفس والسلوك البشريَيْن ترى أن ممثل العدالة النابه هو الذي يعطي المجرمَ صفته العبقرية، ثم يبدأ معرفة سر هذه القوة، وأين كعب أخيل فيها ( نقطة الضعف للمرور داخل الشخصية ثم التحكم أو التنبؤ بتصرفاتها ليمكن التصدي لها وكشف المجرم وجرائمه).. لذا فإن الكتب التي قرأت عن بن لادن احترمت قدرته الكاريزمائية، وإيمانه العميق بأنه صاحب رسالة وأن مهمته في الحياة هو إكمال هذه الرسالة بأي ثمن، خصوصا قدرته على أن يقدم أكبر التضحيات ولو كانت حياة أعز من لديه أو حياته هو.
والشخصية الثانية، هو السيد حسن نصر الله، الذي قد يكون صورة كربونية لكل شخصية تنمو في مؤثرات الجاذبية الدينية فهو درس وزار معاقل الحكمة والدراسة في المذهب الشيعي في العراق وفي إيران، ورافق علماء يجلهم أهل المذهب إجلالا عميقا، حيث إن مكانة رجال الدين المعتمدين والمقلدين في المذهب الشيعي تصل لحد مطلق في إملاء شروط العقيدة ومتطلبات الحياة، وفي السيد نصر الله كما في بن لادن – وهي صفة تجمع نماذجنا الثلاثة - حماسة وانطلاق وعنفوان والروح الجسور المغامرة لدى الشباب، ثم تصير حبسا دهريا، لأن البطل الديني تموت شعلته لو فقد هذه العناصر، وترى أن قوة حسن نصر الله في لبنان تتفوق بشكل أسطوري على قوة الدولة، وأن كل صفة شرعية داخلية وعربية ودولية للحكومة اللبنانية القائمة لا تتساوى بمقدار مع قوة ونفوذ حسن نصر الله، فيأخذ قرارَ حربٍ لا يمكن - أبدا- للحكومة أن تقوم به ضد إسرائيل، وحده، وإن كان هناك تشجيع خفي، فالمهم أنه هو الذي في المشهد، والأهم أن لا شخصية غير شخصيته قادرة على التنفيذ الصارم الذي لا يهاب، لأننا قلنا إن هذه النماذج نادرة جدا.. وحسن نصر الله يمكن أن يسيّر الجموعَ بإشارة من يده، ومن دون حاجة إلى أي تبرير، ويذهب الناسُ من أجله، بينما لا تستطيع الحكومة أن تسير الناس في الجادات من أجلها – مطلقا - ولا يمكن أن ترسل حشودا بدون أن تقطع النفس في التبرير والتحذير. يخرج الناس من أجل نصر الله في لبنان بمئات الآلاف، ويخرج الناس لما تنظمه الحكومة.. من أجلهم، لا من أجل الحكومة. وهنا لا يخطئك من الذي يحكم لبنان، أو الحصة الأكبر منه.
والشخصية الثالثة أصغر سنا من النموذجين السابقين، وشخصيته أقل جاذبية لأنها غير مشعة مثل السابقين، إلا أن مددها الديني، ودوران محورها على القداسة التطويبية والثأرية معا، والوقوف على تاريخ أسري، مع اندفاع مثل حمم البراكين في قلبه جعلته يحكم جزءا كبيرا في العراق، ويؤثر على أي قرارٍ سياسي سواء من الحكومة العراقية أو الغازي الأمريكي. ولو كان النموذج هو السيستاني، أو أن السيستاني أيّد مقتدى الصدر لكان الواقع أشد رهبة بأضعاف ما هو عليه، إلا أن هذا لم يحصل.. حتى الآن.
حاولتُ أن أكتشف ظاهرة، ولا أملك أدوات التحليل، وتصيد الحلول.. والباقي على من يملكها!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي