في ظل نسبة 30 ـ 70 %: لائحة حوكمة الشركات لن تغني من جوع
القضية الكبرى في الشركات المساهمة هي أن المساهمين لا يمكنهم الاطلاع على تصرفات الإدارة فعليا، بل مع التطورات الحديثة في أسواق المال لم يعد هناك عمليا من يملك الشركة أو يحاسب الإدارة. وأصبح مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية في الشركة، في سعيهم للحصول على أكبر دخل ممكن من خلال المكافآت والعلاوات التي يمنحها لهم نظام الشركة، أو من خلال بيع ما يتملكونه من أسهم فيها، يفصحون فقط عن تلك المعلومات التي تخدم توجهاتهم ومصالحهم وترفع مكافآتهم. من هنا تولدت مشكلة عدم التوازن المعلوماتي Information Asymmetry (معرفة الإدارة بالمعلومات وصناعتها ومن ثم نشر ما يتلاءم مع مصالحها بينما الملاك وبقية المستفيدين لا يمتلكون مثل هذه القدرة على الوصل للمعلومة). وهكذا وجد المجلس الإداري والإدارة التنفيذية فرصة للتحرك بسهولة والإعلان عن المعلومات التي تسهم في رفع قيمة ثروته والسكوت عن المعلومات الأخرى التي قد تضر به.
مع الهزات الاقتصادية الكبرى وما حدث من انهيارات مفاجئة ومتتالية وغير متوقعة البتة لبعض الشركات الكبرى العالمية نتيجة عمليات الإدارة لتلاعب برقم الأرباح نتج هجوم كبير على الأنظمة المحاسبية والرقابية المعمول بها، واهتزت ثقة المستثمرين وجميع الأطراف ذات العلاقة بأساليب ونماذج الرقابة على أداء الشركات والتقارير المالية التي تفصح عنها الإدارة. كما نتجت عن تلك التلاعبات تصحيحات كبيرة عانت منها كبريات البورصات العالمية، وردات فعل مستعجلة وعنيفة من قبل الحكومات، ومازالت تداعيات هذا الموضوع محل نقاش ومعاجلة مستمرة ويبدو أن الحل ليس قريبا على أي حال.
هذا الموضوع دفع العديد من الباحثين إلى دراسة الأسباب وراء مثل هذه الانهيارات، وأشارت النتائج إلى أسباب تعود في الغالب إلى الدور الذي يلعبه المدير التنفيذي وأعضاء مجلس الإدارة في ظل ضعف نظم الرقابة الداخلية وإدارة المخاطر، التي أدت إلى عمليات كبيرة لإدارة الأرباح، وخاصة إذا كان المدير التنفيذي هو رئيس مجلس الإدارة.
وقد استنتج العديد من هذه الدراسات وجود فجوة في ممارسة مبدأ الحكم المشترك والديمقراطية في الشركات، وتركز قرار إدارة ثروة الملايين من المستثمرين في يد عدد محدود من الناس قد لا يتجاوز خمسة، وبذلك أسست إلى ظهور معايير حوكمة الشركات التي تهدف أساسا إلى إعادة السلطات الرقابية إلى الجمعية العامة وإجبار مجلس الإدارة على مزيد من الإفصاح وضمان أنه يعمل لمصلحة الشركة والملاّك وليس لمصالحه الشخصية فقط. وباختصار فإن حوكمة الشركة تعني ببساطة تطبيق المبادئ التي تضمن مشاركة أوسع ورقابة أكثر فاعلية من قبل المساهمين على إدارة الشركة، والحصول على المعلومات الضرورية التي تسهم في تقييم أداء الشركة بشكل فعّال. كما أن هذه المعايير تضمن للمساهمين الكثير من الحقوق التي من بينها الحق في عزل مجلس الإدارة.
كل هذا الكلام يبدو رائعا ويرسم لوحة جميلة من العلاقات المزدهرة بين المساهمين ومجلس الإدارة والإدارة التنفيذية، ولهذا السبب صفق الجميع لتبني هيئة السوق المالية لهذا الاتجاه العالمي وإعلان لائحة حوكمة الشركات.
وعلى الرغم من كل هذا فإني أبدو أقل تفاؤلا تجاه هذه الخطوة وأثرها في السوق السعودية، والسبب في ذلك يعود إلى علاقة الأقلية بالأكثرية في الشركات المساهمة السعودية، فالأقلية من حيث العدد هم الأكثرية من حيث التملك (70 في المائة من الشركة) والأكثرية عددا والذين لأجلهم ظهرت مبادئ الحوكمة هم الأقلية من حيث التملك (30 في المائة). هذا من ناحية، ومن جانب آخر، فإن الثقافة الاستثمارية العامة وثقافة المحاسبة والمحاكمة وطلب التعويض ثقافة غير موجودة لدينا، وليس في الأفق ما يشير إلى ما يعتبر تطورا إيجابيا نحو هذا الاتجاه، فما فائدة نظم حوكمة يمكن تجاوزها ولا يوجد محاسبة أو نظم واضحة للتعويض عن الأضرار؟
ولإيضاح الصورة بشكل كامل، فقد اهتمت المعايير بضمان حق المساهمين في حضور الجمعية العامة والتصويت والحصول على جميع البيانات والمعلومات التي تعينهم على اتخاذ قراراتهم الاستثمارية، هنا لا أعتقد أنه يمكن تحقيق هذا الشرط في ظل المواقع الإلكترونية السيئة جدا للشركات السعودية، التي لا تقدم شيئا يذكر عن هذه المعلومات إلا ما يخدم أغراضها، أضف إلى ذلك ثقافة عدم حضور الجمعية العامة التي تقرر ما تشاء بعد أن تم تأجيل الجمعية ما شاء الله لعدم اكتمال النصاب، وإذا رغب أحدهم في الحضور فإن جميع المساهمين من غير العائلة المالكة للشركة أو المسيطرين عليها يملكون 30 في المائة، فكم منهم له حق التصويت إذا وزعت هذه 30 في المائة على سوق مالية كبيرة؟
كما كان من أهم ضوابط حوكمة الشركات أن للجمعية العامة الحق في تعيين واختيار أعضاء مجلس الإدارة عن طرق الانتخاب. فإذا كان الانتخاب يتم بالتصويت وفي ظل تحكم الإدارة العائلية بنسبة 70 في المائة من الأصوات فإن هذه النقطة هي مجرد حبر على ورق وستتمكن العائلة المالكة للشركة من تعيين من تريد وعزله حسب مصالحها فقط ولا عزاء للسوق المالية.
وتقر المعايير بأن يتكون مجلس الإدارة من أعضاء تنفيذيين وأعضاء غير تنفيذيين، على أن تكون أغلبية المجلس للأعضاء غير التنفيذيين. كما نصت على تجنب كل العلاقات التي لها تأثير في استقلال الأعضاء غير التنفيذيين، وأوصت كذلك بفصل دور رئيس مجلس الإدارة عن دور العضو المنتدب.
هنا التركيز على مسألة الاستقلال عن مجلس الإدارة لضمان وصول صوت المساهمين من غير الإدارة التنفيذية إلى المجلس، ولكن مرة أخرى كيف يمكن ضمان الاستقلال عن الإدارة التنفيذية (مجلس العائلة المالك للشركة)، وهم الذين انتخبوا العضو غير التنفيذي المستقل بحكم امتلاكهم نسبة 70 في المائة، وبالتأكيد لن يتم اختيار العضو الذي اختارته الأكثرية لأنهم لا يملكون إلا 30 في المائة (هذا إن حضروا وصوتوا)، وكما يقول المثل "أطعم الفم تستحي العين"، وهكذا فإن استقلال العضو غير التنفيذي مخدوش تماما، وكما يقول أستاذنا الدكتور عبد الرحمن الحميد إن الاستقلال لا يخدش وإذا خدش فقط انتهى.
تعتمد فكرة حوكمة الشركات على إمكانية مساءلة أعضاء مجلس الإدارة عن إداراتهم وقراراتهم، مع الإفصاح الكامل عن مكافآتهم ورواتبهم، وهذا كلام جيد لكن مرة بعد أخرى نصطدم بحجر نسبة الملكية والاستقلال المخدوش للأعضاء غير التنفيذيين. وهكذا يظهر لي أن إمكانية تطبيق نظم الحوكمة في المملكة العربية السعودية هي محل نظر، ويبدو أننا بحاجة إلى نظم خاصة بنا تتناسب مع الملكية غير المتوازنة للشركات المساهمة السعودية.