درس في الشفافية
للوفاء أكثر من وجه ناصع، لعل أكثرها نصاعة لا يتجلى إلا في تلك اللحظات الفذة التي يتفوق فيها الإنسان على ذاته صاعدا بالنبل إلى سدرة منتهى المعنوية وذلك حين يتم الاعتراف بالفضل لصاحبه وحفظ الجميل له.
أقول هذا وفي دمي عطر حكاية عن موقف شفاف لشيخنا الجليل الرائد الشاعر والكاتب الكبير عبد الله بن خميس، ثالث ثلاثة استحقوا أول جائزة تقديرية للدولة، أما الآخران فهما الرائدان حمد الجاسر وأحمد السباعي، رحمهما الله، منحت لهم تتويجا لسنوات من العطاء في الثقافة والصحافة والفكر، نحتوا فيها صخور الجهل وعلقوا شموس المعرفة وهاجة في أرجاء بلادنا.
الحكاية حدثت قبل أكثر من خمس عشرة سنة، كان الصديق الأستاذ الصحافي أحمد رشوان يعمل آنذاك في جريدة "الأنباء" الكويتية في الرياض، أجرى لها حوارا مع الشيخ العلامة حمد الجاسر، سأله عن علاقته بالشيخ عبد الله بن خميس فقال له من ضمن ما قال إنه هو الذي أخذ بيده ليعرفه على الوسط الصحافي والثقافي في بداياته واستقبله للعمل والكتابة معه في "اليمامة" وأنه هو الذي زكاه لعضوية مجمع اللغة العربية في مصر، وحين نقل الأستاذ أحمد رشوان للشيخ عبد الله بن خميس ما قاله الشيخ الجاسر أجاب الشيخ عبد الله بن خميس بأدب جم: "إن كان قد قال ذلك فقد صدق!" وحين سأله الأستاذ رشوان عما يقال من أن العلاقة بينه وبين الشيخ حمد الجاسر ليست على ما يرام بادر الشيخ عبد الله بن خميس وهو يهز رأسه بشمم، مترنما ببيتين من الشعر قالهما الإمام الشافعي في الإمام أحمد بن حنبل.
"يزورني أحمد وأزوره، قلت المكارم لا تفارق منزله
فإن زارني فبفضله أو زرته فلفضله والفضل في الحالين له
رائع هو النبل حين يفلت من براثن الحزازات وينغلق عن فجر من الوفاء الوضاء، والأردع حين نعرف أنه صادر عن رجل عملاق كالشيخ عبد الله بن خميس، عرف باعتداده الشديد بذاته وكبرياء نفسه المتوقدة بثقة العارف المطلع الشارب حتى الثمالة من منابع الفكر والثقافة والتاريخ خصوصا ثقافتنا العربية وتراثنا الشعبي.
أن يحيد عبد الله بن خميس عن الوقوع في الفخ الصحافي ويحلق مثل صقر باهر إلى أجواز الشفافية بتأكيده على رد الفصل لصاحبه بجميل القول فذلكم يضرب مثالا شاهق السمو على أن من أسبغ تقديره على صاحبه على ذلك النحو هو في الواقع في الصدارة وما زاده اعترافه وشفافيته إلا مجدا مدرارا.
فرجل كالشيخ عبد الله بن خميس أثبت في نزال الأيام والتحديات قلمه وذهنه، حيث أسس جريدة "الجزيرة" ومطابع الفرزدق وأثرى المكتبة العربية بعشرات الكتب في الأدب والشعر والنقد والتراث والرحلات، وصال وجال في الصحافة والمنتديات والمؤتمرات داخل المملكة وخارجها، تخاله من طينة شوقي وحافظ والرصافي ومن طينة الخلاوي وحميدان والهزاني ومن طينة الرواة مثل حماد وبن ربيعة، عاشقا مدنفا للثقافة العربية القحة حتى تخاله العقاد في ثورته على العامية، فإذا به يدهشك بعشق مماثل للشعر الشعبي ماحيا الفارق مع الشعر الفصيح بصرامة البصير العارف مؤكدا أن هذا هو ذاك. أو كما كان يتمثل دائما:
مستفعل فاعل مفعول أمور كلها فضول
قد كان شعر الورى صحيحا من قبل أن يخلق الخليل
أفرجل بمكانة الشيخ عبد الله بن خميس، جعل من شعاب الجزيرة ووهادها وجبالها، من قبائلها وعشائرها وأنسابها من شجرها ورمثها وسبطها وزهرها وكل دقائق أعشابها وما فيها من طيوروهوام ودواب قاموسا مفتوحا أمامه، إن سمعته يتحدث عنها تخاله متخصصا في علوم الإناسة والأحياء والبيئة، غير أنك لا تستطيع فكاكا من سحر حديثه عنها كما لو كان يلقي واحدة من جميل قصائده بصوته الرخيم الآسر، أقول أفرجل بهذه المكانة تعجز نفسه عن أن تبرهن أن هامته مكللة بالبرق، مهما كانت البدايات فالعبرة بما صار لا بما كان. لذلك حاد عن الفخ الصحافي وطار إلى الذرى كعقاب .. ألا ليت عدوى هذه الشفافية تتفشى بيننا؟ عندها فقط، قد يطوق البرق هاماتنا بأكاليله كما فعل مع شيخنا الجليل عبد الله بن خميس أقول: قد، لأنه على قدر أهل العزم تأتي العزائم، كما قال جدنا أبو الطيب المتنبي!!