القيادات الإدارية القادمة
يجمع المراقبون والمختصون في الشأن السعودي أن نظام الوزراء والمراتب العليا الذي حدد مدة شغل المراكز العليا بأربع سنوات قابلة للتجديد أحد أهم الأنظمة التي تضمن التطوير والتجديد والحيوية والمحاسبة. وسيكون قريبا موعد التجديد أو انتهاء خدمة بعض أصحاب المراكز العليا وسيتم تعيين قيادات إدارية جديدة بناء على الكفاءة والخبرة والدراية والمعرفة والتخصص وأهم من ذلك تحمل أفكار جديدة ورؤى مستقبلية وطموحات ودافعية نحو عمل الأشياء بطريقة أفضل. هذا لا يعني بأي حال من الأحوال أن من سبقوهم هم أقل منهم قدرة ودراية وإنما هي طبيعة الأمور في أن الأفكار والابتكارات والرغبة والاندفاع تقل وتضمحل بشكل تدريجي مع مرور الزمن في الأعمال الإدارية والتقنية والفنية المتكررة. ولذا عادة ما نجد الأشخاص الذين قل عطاؤهم بعد مضي الوقت في موقع إداري نجد أنهم يبدعون وتزيد إنتاجيتهم عندما ينقلون للعمل في مكان آخر. إن المديرين التنفيذيين تقع على عاتقهم مسؤولية اتخاذ قرارات عامة تؤثر في شريحة كبيرة من الناس ويستمر تأثيرها ردحا من الزمان وتكلف موارد طائلة، من هنا تأتي أهمية اختيار القيادات الإدارية التي تكون قادرة على اتخاذ القرارات بكفاءة وفاعلية وتستجيب لاحتياجات ورغبات وطموح المواطنين. أهم ما يلزم أن يتميز به القائد الإداري أن يكون لديه رؤية مستقبلية لما يجب عمله واستراتيجية لتحقيق ذلك. إن كثيراً من إخفاقات بعض القيادات الإدارية هو نتيجة لعدم وضوح الرؤية والتركيز على الإجراءات الروتينية والتعامل مع المشكلات اليومية التي هي في أساسها نتيجة حتمية لعدم وجود استراتيجية وخطط مستقبلية تضع التصور الواضح الجلي وتوجه الموارد نحوه. إن عدم وجود سياسات واضحة يجعل المؤسسة في حالة عدم توازن ووضع غير مرتب وقرارات عشوائية واجتهادات شخصية مبنية على المزاجية. إن القصور الذي يلحظ في بعض الدوائر والمؤسسات الحكومية هو بسبب انتهاج إدارة طوارئ وعدم التحسب للمتغيرات المستقبلية والاستعداد لها. إن غياب التخطيط يجعل الإدارات تنشغل بإطفاء الحرائق هنا وهناك بدلا من منع وقوعها في المقام الأول. وهكذا نقضي جل الوقت في الإدارات الحكومية في تطبيق إجراءات عفا عليها الزمن فقط لأنه اعتيد عليها وأصبحت جزءا من الطقوس الإدارية والثقافة السائدة داخل المنظمة. إن تعقيد الإجراءات والتركيز عليها دون ربطها بالأهداف الاستراتيجية والغرض الذي وضعت من أجله يمنح المسؤول مساحة كبيرة في تفسير الإجراءات وتطبيقها بطريقة شخصية بحتة. هنا مسألة في غاية الأهمية والخطورة في أن العمل الروتيني والانشغال بالإجراءات اليومية ومعالجة القضايا الآنية أصبحت معيارا للإنتاجية والكفاءة. وهذا الأمر يعني أن من يقضي وقته في التخطيط ووضع الاستراتيجيات مفوضا لسلطاته ويبقي مكتبه مرتبا خاليا من الأوراق قد يكون محل تساؤل وعدم تقدير قد يصل في وصفه بعدم النشاط والعمل. إن المهمة الأولى للقيادات الإدارية هو وضع التصور المستقبلي ورسم معالم الطريق وإيضاح الإرشادات العامة التي تجعل جميع العاملين في الوزارة أو الإدارة الحكومية يعملون ويبدعون في ظل إطار عام متفق عليه. إلا أن ذلك لا يتأتى إلا إذا كان لدى القيادي أفكار ورؤى وفلسفة واضحة لما ينبغي عمله. لم يعد بالإمكان تقبل في ظل المستجدات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية قيادات تنتهج أسلوب التسكين والحفاظ على الأمور كما هي عليه دون تجديد وابتكار وإبداع تزيد من الإنتاجية وتحسن الجودة والنوعية وتقلل التكلفة. ومع ضرورة أن يكون القيادي صاحب فكر ويجلب طرقاً جديدة لأداء العمل، يتطلب أن يكون على قدر من الجرأة في عملية صنع اتخاذ القرار، يقول الشاعر العربي:
إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة
فإن فساد الرأي أن تترددا
إن القدرة على الإقدام والمخاطرة المحسوبة في إحداث تغيير قد يكون غير مقبول أو غير مألوف إذ لا يفهمه الكثيرون وقد يعجز البعض عن تصوره، يحتاج إلى نفس طويل والتزام وإقناع الآخرين بالأرقام والحقائق. إن الوضع الإداري البيروقراطي يحتاج من القيادي الذي يرى نفسه عنصر تغيير ويرغب في التجديد وتغيير الأشياء إلى الأفضل، إلى جلد وصبر ومثابرة لأن الثقافة الإدارية السائدة بطيئة راكدة محبطة تدعو إلى عمل أقل القليل بل إن الشعور السائد لدى بعض الموظفين هو أن عملهم لا يقدم ولا يؤخر وأن العمل لو تأخر قليلا أو كثيراً لن تفسد الدنيا. إن القيادي الناجح هو من يستطيع إحداث تحول ثقافي داخل المؤسسة بجلب منظومة قيمية جديدة تعتمد على الإنتاجية والإبداع، وإلا سيكون كمن خرج كمن دخل دون تأثير أصيل في أداء العمل.
لا شك أن المراكز الإدارية العليا تعطي لأصاحبها مكانة اجتماعية ونفوذا قد يكون محدودا بفترة تعيينية وقد تتعداها لأولئك الذين وظفوا نفوذهم في تطوير مؤسساتهم والعاملين بها. إن مفهوم السلطة لدى البعض محصور في سلطة المركز يمارسها في أفق ضيق في العقاب والثواب والعلاقة الفردية وليس بالارتقاء بأداء المجموعة ومساندة الموظفين ودعمهم والوقوف بجانبهم وبذل سلطاته في سبيل ذلك.ما نحتاج إليه في الوقت الراهن هو إلى أولئك القياديين الذين يعملون بروح الفريق الواحد ويشجعون العمل الجماعي. إن هذا النوع من القياديين أدركوا أن سلطة المركز محدودة لا تكفي لقيادة العاملين وتستلزم أكثر من ذلك. إنهم يعلمون أن عليهم توسيع دارة القبول لدى موظفيهم وهذا يستدعي أن تكون جميع قراراتهم متفقة مع أهداف المؤسسة وأن يكون العاملون على علم بما يتوقع منهم عمله ولديهم القدرة والرغبة على إتمام المهمة. إن هذا بطبيعة الحال كما ذكر سابقا يتطلب وضوح الرؤية والهدف والعمل من أجل تحقيقه.. كما أنه يتطلب أن تكون لدى القيادي مصادر أخرى للتأثير كالخبرة والدراية والقيم والشخصية الكرازمية لكن يبقى أسلوبه القيادي والتعامل مع الموظفين أحد أهم مقومات نجاحه.
إن الحديث عن القيادات الإدارية وأسلوبها في اتخاذ القرار يجب أن يستلهم من فكر وأسلوب قائد الأمة الملك عبد الله، حفظة الله ورعاه، الذي يعتمد على النتائج وتحقيق الأهداف. إن ما يستند إليه الملك عبد الله في قراراته هو الشعور العميق بنبض الشارع واهتمامه بقضايا البسطاء والمحتاجين وما زيارته الشهيرة التي قام بها لاستكشاف أحوال سكان أحد الأحياء الفقيرة في العاصمة الرياض ومقابلته ومحادثته عموم المواطنين بكل أريحية ومصداقية أثناء زياراته التفقدية لمناطق المملكة إلا مثال لحبه للناس الذين يبادلونه نفس الشعور والإحساس. هذا التقارب مع عموم المواطنين والإحساس وتفهم واستيعاب مشكلاتهم اليومية يجعله قادرا على توجيه السياسات الإدارية والمالية نحو معالجة مشكلاتهم وإيجاد البيئة الاقتصادية التي توفر الخدمات والمرافق وكذلك تزيد من الفرص الوظيفية وتوسيع الطبقة الوسطى التي هي العمود الفقري لكل اقتصاد. لقد عُرف عن الملك عبد الله اتباعه أسلوب القيادة بالمشاركة. فلديه قناعة كما يُذكر عنه في أن القرار الناجح الفاعل يستلزم سماع وجهات النظر المتعددة وحتى المتضاربة وتوفير الحجج والبراهين والمعلومات الصحيحة. هذا الإيمان بالتفكير الجماعي بالإضافة إلى ثقته بالخبرات الوطنية المتخصصة نابع من إدراكه أن مواجهة القضايا والمشكلات المعقدة تستلزم خبرات متعددة على اطلاع بالشأن المحلي. كما أن تفكيره الإيجابي في المبادرة في حل القضايا حرصا على احتوائها في مهدها وقبل أن تتفاقم هو الحل الأسهل والأقل تكلفة. الملك عبد الله رجل عملي من الدرجة الأولى يحب الإنجاز وتحقيق الأفضل وإحداث التغييرات المطلوبة، لذا يفضل الطروحات المباشرة التي تصل إلى لب المشكلة دون تعقيد وإطالة في الإجراءات أو تنميق بالكلمات. هذا الإطار الفلسفي العام الذي اختطه خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله سيكون، بإذن الله، المرشد والموجه للقيادات الإدارية في أن تحذو حذو مليكها بأسلوبه القيادي السهل الممتنع الذي يضع المواطن في وسط دائرة الاهتمام وله ومن أجله نعمل كل شيء.