رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


صدام .. وكتيبة الإعدام

لأن الجريمة لا تمحى بجريمة والطغيان لا يزال بطغيان والحقد لا يعالج بالحقد، وأن العدالة ترتعد فرائصها ذعرا من أن يصبح القاضي هو الجلاد فقد كان بالإمكان أن يكون مقالي عن صدام حسين فحسب.
أما وقد منحه قتلته، ملتاثو العقل والضمير معا، ميتة لم يكن هو ليحلم ببعض مما أحاط بها من استنكار واستهجان لكونها نفذت بدافع من سعار العصبية العمياء، على خازوق المكيدة، بالصوت والصورة، واعتسف لها "زوار الفجر" الجدد موعدا هو فجر يوم مقدس شاءه خالق الخلق الرحمن الرحيم عيدا للتواد والتراحم وشاؤوه رجسا لأرجاسهم، فما عساني أقول وقد رفع الشيطان عقيرته بالغناء مخمورا بتدنيس طهارة هذا اليوم الفضيل بموبقات الفتنة التي هي أشد من القتل؟!
إن كان ليس بوسعي أن أطرد من ذهني شخصية "البطريرك" في رواية جارسيا ماركيز العظيمة "خريف البطريرك" فذاك لأن البطريرك مثل صدام كان محكوما بحياة لا يراها إلا من القفا، كما يقول ماركيز، عيّن نفسه قائدا أعلى للزلازل الأرضية، وحده كان كل الوطن، يحتاط حتى من صورته على المرآة، يؤكد: لن أموت أبدا .. فليمت الآخرون بدلا عني، هاتفا دائما لنفسه: (عاش أنا).
وإذا كان ليس بوسعي أن أطرد من ذهني أيضا شخصية "مكبث" في المسرحية الرهيبة التي تحمل ذات الاسم لشكسبير، فذاك لأن "مكبث" جعل عهده ليل نفي عنه النوم، كما يقول يان كوت بكلمات جبرا إبراهيم جبرا، فمكبث قتل النوم ولن يستطيع أحد في اسكتلندا كلها النوم أبدا بعد، لا نوم هناك .. بل كوابيس وحسب، وما من شغل شاغل لمكبث سوى أن يقتل، وعليه بعد ذلك أن يقتل شهود الجريمة وكل من يرتاب فيه، ثم عليه أن يقتل أبناء وأصدقاء الذين قتلهم، وعليه فيما بعد أن يقتل كل أحد، لأن كل أحد ضده .. يتقلص التاريخ إلى أبسط أشكاله، إلى صورة واحدة وتقسيم واحد: القتلة والقتلى.
وإذا كان ليس بوسعي أن أطرد من ذهني مرة ثالثة شخصية "السيد الرئيس" في رائعة ميقيل استرياس الروائي الجواتيمالي والمعنونة كذلك بـ "السيد الرئيس" فذاك لأن السيد الرئيس مثل صدام قاعدته الشاذة هي إرغام الناس على فقدان الأمل: وهل هناك جحيم أشد ضراوة ووحشية من أن يهيمن ويطبق على الجميع الجو القانط، أو كما يقول المدعي العام العسكري للسيد الرئيس معنفا خادمته: "لقد قلت لك مرارا وتكرارا إنني لا أحب أن تتعاطفي مع الناس، يجب عليك ألا تشجعيهم على الأمل خيرا؟: في بيتي، أول شيء يجب على الجميع، حتى القطة، أن يتعلموه هو أنه لا توجد أسباب لأي أمل من أي صفة لأي شخص .. والقاعدة التي استنها السيد الرئيس هي عدم إشاعة أي أمل. وينبغي ركل الناس وضربهم والدوس عليهم إلى أن يتبينوا ذلك".
قلت: كان بإمكان مقالي أن يكون عن صدام حسين فحسب، أن يلوذ بالأدب لتفكيك ظلمات نفسه، أما وقد نافست "كتيبة الإعدام" صدام في المذبحة وانحازت مثله إلى إبليسية البطريرك ومكبث والسيد الرئيس، فليس بوسعي، علاوة على ما ذكرت، أن أطرد من ذهني مقابل "كتيبة الإعدام" هذه، رجال الجستابو الرهيبين في ألمانيا الهتلرية أو زبانية تشاو شيسكو ديكتاتور رومانيا وشرطته السرية الذين كانوا يعدمون على التوالي كما لو كانوا يعدمون حشدا من الجرذان العمال الغلابا المكلفين بحفر الأنفاق السرية كلما انتهت مرحلة من الحفر لكيلا يعرف أحد مكان تلك الأنفاق. بل لن أكون مفتعلا للتشبيه لو طابقت وجوه كتيبة الإعدام بوجه جوزيف مكارثي الذي سمم أجواء الولايات المتحدة الأمريكية، في منتصف القرن الماضي، بوشاياته واتهامه بالعمالة للشيوعية الروسية كل من كان له فكر حر أو رأي مختلف.
يالله .. كم ذا يعجز الباطل من أن يخفي وجهه مهما لبس من أقنعة ومهما وضع من مساحيق؟ وكم ذا يستدرج الجلاد بولوغه في الإثم الأثيم الشفقة على جلاد آخر في التباس الطغيان بالطغيان؟!
من أين أتى هؤلاء؟ من بئر الأفاعي، وأوعية الصديد؟ أم من نتن جزمات المحتل وعفن مكائد الغازي؟ وإلا بأي لعنة يمكن وأد اللعنة وما من شتيمة تزهق فحيح العصبية وتطأ رأس الفتنة؟ وما في نفوسنا، رغم خزي الفعل وسفاهة القول، سوى الضراعة لله سبحانه أن ينجي العراق وأمتنا من سوء المنقلب، في المال والأهل والولد .. ألا لعنة الله على الظالمين.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي