التعليم العالي.. في مأزق
هبت وزارة التعليم العالي كأي جهة حكومية للدفاع والتظاهر بأن الموضوع سيختصر على صفحات الجرائد ولن يؤثر في الرأي العام والمسؤولين بعد فترة وجيزة ثم تعود الوزارة إلى سابق عهدها وكأن شيئا لم يكن ولم يحدث. ليس المهم هذا التقرير أو ذاك لكي نعرف مدى ضعف المستوى الأكاديمي وتردي جودة التعليم وانفصام التعامل مع الواقع العملي أو قلة كفاءة ومحدودية إخلاص البعض وليس الكل من القائمين على أمر التعليم أو البحث في الجامعات السعودية. ولعل هذا التقرير حول ترتيب الجامعات جاء في وقت تتوجه فيه الوزارة إلى توسع غير مسبوق في الجامعات والكليات دون الاستعداد البشري وحتى المادي في أغلب الأحيان.
أحد الأدوار المهمة للتعليم العالي هو إعداد وتجهيز الكوادر الفنية والقيادية القادرة على التعامل مع مسائل التنمية الاقتصادية فهذه الكوادر بين الضغوطات الميدانية (حاجة سوق العمل) وأمل الأمة في التقدم ولذلك فهي مؤشر مهم على صحة العملية التنموية أو ضعفها مما يستوجب التنبه له.
في خضم الحياة كلنا نواجه اختيارات (ذكر أحد الفلاسفة أن الحياة عبارة عن المفاضلة بين هذه الاختيارات)، ولكن الأسوأ أن تستكين وتجعل سير الحياة يقوم بهذا الدور لك وكأن الأمر لا يعنيك، وفي ذلك تنازل مهني وأخلاقي لا يرضي أحدا. أقصد بالاختيار هنا أن نقرر مجتمعيا ماذا نريد من التعليم الجامعي، فهناك نموذج مصر التي لديها حملة دكتوراة أكثر من اليابان، وبنحو نصف السكان ناهيك عن فارق التنمية الاقتصادية بين البلدين، وهناك نموذج سويسرا حيث القليل (يسمح له بالتعليم العالي) نظرا لقناعة القيادات فإن الاستخدام الأمثل للطاقة البشرية أهم من الكم، وهناك نموذج الولايات المتحدة الذي يسمح للكثير ويميز أكثر ولا يقف هنا بل يعظم دور الجمعيات المهنية واعتماد شهاداتها.
السؤال الملح ورجوعا إلى مسألة الاختيار هل لدينا نموذج؟ هل قمنا بالاختيار المتناسق مع أهدافنا التنموية؟ أين الوزارة والجامعات والمجلس الاقتصادي الأعلى من حسم هذه الاختيارات؟
لسنا بصدد تبسيط الأمور وتركيز الأضواء على القائمين على أمر التعليم العالي والفني متناسين تداخل وتعقيد أو عدم جدوى التنبه إلى ترابط الحلقات في المجتمع. وكـأن الجامعات واحة فكر وتربية وتعليم معزولة عن المجتمع ولكن التحدي أن نستطيع إيجاد هذه الجزر في أماكن على شواطئ البحر والبر بعيدا عن عقارب البيروقراطية وتداعيات التداخل بين العمل والمجتمع لكي لا نحرم المجتمع من إيجاد الفرصة لتنمية القيادات اللازمة لحقبة أصعب وأكثر تعقيدا.
ذكر لي أحد أساتذة علم الحاسب الآلي أن الغالبية العظمى من الطلاب في قسم علوم الحاسبات في جامعة الملك سعود لا يرتقون إلى أقرانهم في جامعات غربية متوسطة المستوى، وذكر لي آخر أن أحد الأقسام في كلية العلوم الإدارية في جامعة الملك سعود يعج بخريجين من قسم واحد من جامعة مغمورة في زاوية نائية في إحدى الولايات الزراعية، مع هذا لعلها الأفضل بين الجامعات وحتى جامعة الملك فهد للبترول فقدت سمعتها الأولى تدريجيا بسبب تنازلات إدارية هنا وهناك ومسائل مالية. هل يقبل أن تبعث الجامعات العديد ليحصلوا على الدكتوراة في نظرية علم الاقتصاد ثم يتفادوا دراسة النظرية الاقتصادية كتخصص مثلا ويختاروا التنمية والبترول وغيرها من سبل التهرب وهناك من أساتذة الرياضيات والكيمياء وغيرها فيمن يتهرب ليدرس كيف تعلم الرياضيات والكيمياء على حساب البحث العلمي الجاد. أين دور الوزارة وإدارة الجامعات في كشف المتطفلين على الحياة الأكاديمية؟
إن أفضل الطرق للنهوض بالجامعات هو التركيز على أمثلة جيدة (مثلا أن نصر على أن تنشر أبحاثهم في النشرات العلمية المعروفة كل في تخصصه) ونرتقي بها إلى مستوى أعلى وفي هذه الحقبة التي تكثر فيها الجامعات سوف لن نستطيع الرقي بها كلها ولذلك لعل من الأفضل التركيز على ثلاث جامعات ولتكن جامعة الملك عبد الله الجديدة وجامعة الملك فهد للبترول وجامعة الملك سعود وإعطاء الفرصة للجامعات الخاصة (بتشجيع الاستثمار فيها سبق أن تعرضنا لهذا الموضوع في مقال سابق). لعل من قائل إن كل الجامعات يجب أن تعامل سوية وهذا غير ممكن ماليا وأكاديميا وبشريا (سواء من القاعدة الطلابية أو البحثية والإدارية والمالية).
عندما نبدأ باختيارات واضحة وجلية فإننا نسهم في صعودنا إلى ترتيب أعلى في التقارير العالمية القادمة.