الازدحام المروري في المدن: ما الحل؟
الازدحام المروري في المدن السعودية خاصة الكبيرة منها مثل العاصمة الرياض ومدينتي جدة والدمام بلغ حدا لا يطاق وعبئا لا يحتمل ومشكلة يومية تتفاقم مع مرور الوقت، بل إنه كابوس مخيف يهدد المدن وسكانها اقتصاديا واجتماعيا ونفسيا وبيئيا. ومع كل يوم تبدأ معاناة سكان المدن حين تكتظ السيارات في الطرقات بما يفوق طاقتها الاستيعابية، وتبدأ أرتال السيارات تتراكم في صف يمتد لمسافة طويلة تسير ببطء هو أقرب للتوقف منه للتحرك ليمضي وقت طويل قبل أن يصل مستخدمو الطريق إلى وجهتهم وقد أصابهم الإعياء والتعب والملل. إن من أصعب الأمور على الإنسان سوى.. الفطرة أن يمضي الوقت دون فائدة ودون مبرر ودون معنى وقصد أو أن يجد نفسه فجأة في موقف ليس له الخيرة من أمره مسلوب الإرادة لا يملك حق التصرف في وسط ركام من السيارات وقد بلغ بهم الازدحام المروري مبلغا تلاشت معه أخلاقهم ونفد صبرهم وضاقت صدورهم حتى إن الواحد منهم يدافع عن حيزه وموقعه على الطريق دفاعا مستميتا لا يسمح لأي كان ومهما كانت الظروف والأحوال إفساح المجال للتقدم عليه حتى وإن كانت سيارات الإسعاف أو المرور التي تصيح بصوت عال وتضيء أنوارها ساطعة لا يلقون لها بالا وكأن القوم قد صمت آذانهم وعميت ابصارهم وفقدوا الإحساس ومراعاة الآخرين من ذوي الاحتياجات والظروف الطارئة. في المجتمعات ذات الثقافة المرورية يتيح مستخدمو الطريق المجال لسيارات الإسعاف والمطافي والشرطة بالتنحي جانب الطريق والتوقف توقفا كاملا لحين مرورها، حتى وإن لم يكن هناك ازدحام مروري!
إنها مأساة كبيرة يواجهها سكان المدن السعودية في الازدحام المروري ليس في أوقات الذروة في الصباح الباكر أو عند العودة من الأعمال والمدارس أو في أوقات العطل الأسبوعية والأعياد وحسب ولكن تحول ليكون في معظم الأوقات. ويبدو أن على سكان المدن الاعتياد على ذلك والتكيف معه لأنه لا يلوح في الأفق أي مبادرة لمعالجة الازدحام ولم يصل بعد ليكون في قائمة أولويات العمل الحكومي. ومما يزيد من تفاقم المشكلة المرورية وتعقيدها تدني المستوى الثقافي المروري والأخلاقي، ومع هذا فإن أصل مشكلة الازدحام المروري وجوهرها يبقى على وجه التحديد في أن الناس يرغبون أو يضطرون إلى استخدام الطريق في الوقت نفسه وبما لا يتناسب مع الطاقة الاستيعابية له. ومن هنا يتبين أن هناك عاملين أساسيين في مواجهة مشكلة الازدحام المروري الأول الطاقة الاستيعابية للطريق والثاني عدد مستخدمي الطريق.
في المدن السعودية بذلت جهود كبيرة في جانب العرض بزيادة الطاقة الاستيعابية للطرق دون النظر في سياسات خفض الطلب عليها وتقليل عدد مستخدميها خاصة في أوقات الذروة. هذا الوضع لم يعالج المشكلة بل على العكس تماما ساهم في تفاقمها! إذ إن زيادة الطاقة الاستيعابية للطرق تشجع على استخدامها وعامل جذب في زيادة الطلب عليها، إذ نجد أن معدل تزايد استخدام الطريق يفوق معدل نسبة توسعته في معظم الأحوال. وهنا تصح النظرية الاقتصادية التي تقول "إن العرض يوجد طلبه" Supply creates its own demand، ففي كل مرة نحاول زيادة الطاقة الاستيعابية للطرق نجدها وقد امتلأت بالمركبات عما كان سابقا! لقد أصبح المرور أشبه ما يكون بالماء أو الهواء يبحث عن أي فراغ ليملأه! إن ما نعمله من توسعة للشوارع هو دعوة صريحة ومفتوحة ومشجعة للناس لاستخدام الطريق بسياراتهم الخاصة وبشكل مكثف، ودون الموازنة بين العرض والطلب ستظل المشكلة تتفاقم وسنظل نتحدث عن الازدحام المروري إلى أبد الدهر.
إن الموازنة بين العرض والطلب تقتضي وجود استراتيجية للمرور تنسق بين جهود عدة أجهزة حكومية تتداخل في تقديم الخدمات وتنظيم الطرق، إذ إن واقع الأمر يشير إلى أن هناك تشرذما في سياسات هذه الأجهزة حتى لتكاد كل سياسة تتعارض مع الأخرى. على سبيل المثال هناك جهود تبذل لتشجيع استخدام النقل الجماعي وفي الوقت ذاته هناك توجه نحو توسعة الطرق وهي دعوة ضمنية لاستخدام السيارات الخاصة، فضلا عن أن خدمات النقل الجماعي لا ترتقي لمستوى ذوق ومعيشة المواطنين وهي عامل طرد بحد ذاتها وبالتالي فلا غرابة أن ينخفض الطلب على استخدام النقل الجماعي. ولذا فإن تحسين النقل العام يكاد يكون العامل الأكثر أهمية في معالجة مشكلة الازدحام المروري على المدى الطويل. وهنا نقطة على درجة عالية من الأهمية وهي إذا ما أريد للناس التحول إلى استخدام النقل العام والتقليل من مشكلة الازدحام المروري فيتوجب إيجاد وسائل نقل عام مرتفعة المستوى ذات جودة عالية مثل قطارات الأنفاق، كما يتطلب الأمر إعادة تثقيف وتعديل في السلوك العام وهذا لا يتأتى إلا بقرارات جريئة وأنظمة صارمة وتوجهات جادة تضع الخيارات الصحيحة أمام مستخدمي الطرق داخل المدينة. هذه الخيارات تكون مبنية على تحمل الفرق بين التكلفة الاجتماعية والتكلفة الخاصة. فحين يهم أحدهم الدخول بسيارته إلى طريق مزدحم قد قارب طاقته الاستيعابية فإنه يقرر الدخول اعتمادا على حساب تكلفته الخاصة ومتوسط زمن التأخير وليس ما يسببه من تأخير للآخرين يفوق الذين سبقوه في الدخول وهذا بطبيعة الحال له تبعات اقتصادية وبيئية لا يأخذها الأفراد في الحسبان. من هنا كان لزاماً تضمين هذه التكاليف الاجتماعية في قرارات الأفراد من خلال فرض رسوم على استخدام الطرق المختصرة السريعة داخل المدينة. وبذلك يتم التأكد من أن مستخدمي الطريق في وقت ما هم فقط الناس الذين يهمهم الوصول في الوقت المحدد ويمثل الوقت لهم قيمة عالية. إنما يتم هنا هو تحويل قيمة الانتظار والتأخير إلى قيمة نقدية يدفعها من يحرص على الوصول في الوقت المحدد، فكأنما رجال الأعمال وأصحاب المناصب المهمة يقولون للناس الآخرين الذين لا يعنيهم الوقت كثيرا (نسبياً) بإننا سندفع نظير عدم استخدامكم للطريق في فترة معينة. وعلى أن فرض الرسوم وتشجيع استخدام النقل الجماعي تعتبر أحد أهم وسائل تنظيم استخدام الطريق والتقليل من الازدحام إلا أن هناك الكثير من السياسات أو الخطط الأخرى التي يمكن أن تسهم في معالجة المشكلة مثل التباين في بداية الدوام بين المدارس والدوائر الحكومية، تشجيع الركوب الجماعي في السيارات الخاصة Car polling بتحديد مسارات خاصة لها في الطرق السريعة داخل المدينة، وضع عدادات عند المواقف في وسط المدينة وفي أماكن الازدحام مرتفعة الرسوم وقت الذروة، التخطيط الشامل للأحياء بتقديم الخدمات العامة اللازمة والمراكز التجارية، تحويل بعض المناطق التجارية إلى ساحات تجارية تشجيعا للتسوق مشيا على الأقدام، وإدارة نمو المدن بالحد من الهجرة للمدن الكبيرة بزيادة جاذبية المدن المتوسطة والصغيرة.
إن مشكلة الازدحام المروري تتعدى كونها مشكلة تتعلق بعدم رضا الأفراد وتذمرهم إلى كونها مشكلة اجتماعية كبيرة تحتاج إلى النظر إليها بجدية ووضع السياسات في المديين القصير والطويل. لقد أصبح من الضروري أن نعي حقيقة مهمة وهي أن المدن لم تعد كما كانت عليه قليلة السكان بسيطة المعيشة، فقد نمت نموا مطردا وتمددت عمرانيا على مساحات كبيرة وتباعدت المسافات وارتفع المستوى المعيشي للأفراد وأصبح النقل ضرورة حياتية لجميع السكان لا غنى عنها. وقد لا نجاوز الحقيقة إذا قلنا إن النقل داخل المدن أصبح المحدد الرئيس لأسلوب ومستوى الحياة وقدرة المدينة على البقاء جذابة حيوية منتجه صالحة للعيش والعمل.