قمة الرياض.. تفتح الطريق أمام الطاقة النووية الخليجية
رغم أن القمة الخليجية التي عقدت في العاصمة الرياض في الأسبوع قبل الماضي اتخذت مجموعة من القرارات المهمة على صعيد المواطن الخليجي، إلا أن أهم القرارات هو القرار المتعلق بإجراء دراسة لبرنامج مشترك في مجال التقنية النووية للأغراض السلمية.
إن مشاريع الطاقة النووية ـ كما سنوضح ـ يرتبط ارتباطاً مباشرا بكل مشاريع وبرامج التنمية المستدامة التي تمس التفاصيل اليومية للمواطن الخليجي.
وإذا كان العديد من مشاريع مجلس التعاون الخليجي قد أخذت وقتا طويلاً في الإعداد والبحث والمناقشة، فإنه يجب أن نختزل الوقت والمسافات، للشروع في امتلاك تكنولوجيا الطاقة النووية السلمية.
ولا شك إن الشروع في تأسيس مؤسسة خليجية متخصصة في الطاقة النووية، بات أمرا ضروريا وملحاً للتنفيذ الفوري لقرار القمة الذي فتح المجال أمام المجلس الوزاري لاتخاذ الخطوات الضرورية لمباشرة وضع دراسة عميقة عن الرؤية المستقبلية للطاقة النووية في دول مجلس التعاون الخليجي.
ونتصور أن الخطوة المهمة لتنفيذ قرار القمة هو الاتفاق على تأسيس مؤسسة خليجية متخصصة في الطاقة النووية تحت اسم الوكالة الخليجية للطاقة النووية، وتكون هذه الوكالة إحدى مؤسسات العمل الخليجي المشترك وهدفها الرئيسي إبرام الاتفاقيات مع الدول المتقدمة لوضع الخطط اللازمة للمضي قدما في وضع بناء شامل للطاقة النووية على المستوى الخليجي.
ولا شك أن الخبرات التي تتمتع بها مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتكنولوجيا ستسهم بدور إيجابي في دعم الوكالة الخليجية للطاقة النووية.
وأؤكد هنا أن التوسع في استخدام الطاقة النووية لن يكون على حساب النفط، لأن النفط بطبيعته مادة ناضبة وأن الدول الصناعية تستهلكه في هذه الأيام بشراهة، وأن أضراره على البيئة بدأت تشكل هاجسا مقلقا لجميع دول العالم، كما أن أسعاره بدأت ترفع تكاليف التنمية إلى مستويات عالية، وسيترتب على ذلك زيادة في جميع أسعار السلع والخدمات مما يلحق أضرارا بالغة بالاقتصاد العالمي. ولذلك ، فإن الدعوة إلى التوسع في استخدام الطاقة النووية بدلا من الطاقة التقليدية لم تعد دعوة في إطار سباق التسلح النووي بل نستطيع القول إنها دعوة إلى المنافسة على تحقيق المزيد من النمو والتنمية المستدامة.
لقد أفادت التقديرات في وكالة الطاقة الدولية أن زيادة الطلب العالمي على الطاقة سيصل إلى الثلثين في العقود الثلاثة المقبلة حتى عام 2030, أي أن الطلب على النفط سيبلغ الـ 16.5 مليار طن من النفط ومشتقاته، وهذا يمثل زيادة في معدل النمو بمقدار 107 في المائة في السنة، ويعني ذلك بالنسبة لقطاع الكهرباء أن المطلوب كمية ضخمة من الاستثمارات لتوليد طاقات جديدة بحلول عام 2030 بهدف تلبية الطلب المتضاعف بمتواليات هندسية. وبمعنى آخر فإن العالم في طريقه إلى طلب ما يقرب من ضعفي المستوى الحالي، وبذلك سيرتفع استهلاك النفط من نحو 84 مليون برميل يومياً حالياً إلى 140 مليون برميل، ويزداد الغاز الطبيعي بأكثر من 120 في المائة والفحم بأكثر من 60 في المائة. وعندها تبدأ الأزمة الحقيقية ويأخذ الإنتاج العالمي في التناقص، وتضطر بقية دول العالم إلى اللجوء إلى الطاقة البديلة وعلى رأسها الطاقة النووية، وهكذا ستصبح الطاقة النووية في حكم الضرورة إن آجلا أم عاجلا.
ويزيد على ذلك أنه لم يعد يترتب على بناء وتشغيل المفاعلات النووية أية انبعاثات لغازات مؤذية تؤثر على البيئة والإنسان كما يحدث بالنسبة لاستخدام محطات الغاز والنفط والفحم، وثمة دراسة علمية تؤكد أن البشرية كان يمكن أن تتعرض كل عام لانبعاث غازات كربونية يصل حجمها إلى 600 مليون طن تهدد البيئة وتلوث الأجواء الكونية إذا استمرت الدول في تشغيل محطات حرارية تعمل بالغاز والنفط بدلا من 443 محطة نووية تعمل بأمان في عدد كبير من دول العالم.
ولأن المحطات النووية أصبحت أقل تكلفة وأكثر أمانا وأقل تلوثا وخطرا على البيئة والمناخ الكوني، فإنه من المحتم أن تتجه دول الخليج العربية إلى الطاقة النووية، وأن تسعى إلى وضع خطة شاملة لبرنامج خليجي نووي يضيف إلى طاقة الكهرباء ألفي ميجاواط في كل عام.
وهكذا فإن الهدف الحقيقي من البرنامج النووي الخليجي هو نقل دول الخليج إلى عصر التكنولوجيا النووية إضافة إلى إنتاج الكهرباء وتحلية مياه البحر بتكاليف أقل من تكاليف تشغيل المحطات الحرارية، وكذلك دفع برامج التنمية إلى الأمام بقوة.
إن علوم الطاقة النووية في جانبه السلمي هي علوم المستقبل فالعالم يعاني في هذه الأيام من أزمات حادة في المياه والكهرباء، وفي المستقبل القريب فإن أزمات المياه – كما يقول العلماء والمتخصصون – سوف تتسبب في اندلاع الحروب في مناطق عديدة من العالم وبالذات في منطقتنا العربية ومنطقة الشرق الأوسط.
من هذا المنطلق فإن دول العالم المتقدم أخذت تعيد النظر في حساباتها وتتصالح مع الطاقة النووية وتتجه بقوة إلى علوم الطاقة النووية لأنها باتت تدرك أن الطاقة النووية هي البديل الوحيد عن النفط وأنها مصدر اقتصادي مهم لتوليد الكهرباء والماء.
إن الدراسات التي أجريت للمقارنة بين تكلفة إنتاج الكهرباء أو المياه المحلاة باستخدام الطاقة النووية والطاقة الأحفورية (نفط – غاز طبيعي – فحم) أثبتت أن الطاقة النووية ستصبح المصدر الأول للطاقة في العالم حينما يصل سعر برميل النفط 15 دولارا. أما إذا كان سعر برميل النفط قد بلغ الـ 65 دولاراً فإن الطاقة النووية تكون المصدر الأمثل للطاقة، وبالتالي فإن إنتاج الكهرباء والمياه المحلاة يكون أقل تكلفة بشكل ملحوظ.
إن استخدام الطاقة النووية في تحلية المياه وتوليد الكهرباء أصبح ضرورة وطنية وعالمية نظرا لحتمية تناقص الاحتياطيات المحدودة من النفط والغاز الطبيعي والفحم.
أما الميزة التي تسجلها الطاقة النووية حديثا فإنها تتمثل في خفض تكاليف إنشاء المحطات النووية بصورة لافتة، جعلت الطاقة النووية الأكثر تنافسية والأقل تكلفة في الإنشاء والتشغيل دون الإخلال بعامل الأمان النووي.
ومن ناحية أخرى فإن البرنامج النووي الخليجي المأمول يدخل في إطار الأمن الاقتصادي في منطقة الخليج، لأن الطاقة النووية ستوفر الوقود المنخفض الأسعار لتوليد الطاقة الكهربائية وتحلية المياه وتزويد المصانع بالطاقة بأسعار اقتصادية مقبولة .
وستلعب الطاقة النووية دورا كبيرا في تقدم ما يسمى الطب النووي وزيادة المحاصيل الزراعية واستخدام الأسمدة الحيوية الآمنة وتخصيب التربة وتطوير سلالات النباتات إلى غير ذلك من المنافع التي تدخل ضمن ما يمكن أن نسميه الأمن الاقتصادي الخليجي.