رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الموازنة العامة بين التخصيص وعوائق التنفيذ

[email protected]

جاءت الموازنة العامة هذا العام لتلبي احتياجات وتطلعات وأماني الشعب السعودي, فهي لم تكن فقط وفيرة مملوءة بالخير, كما بشر بها الملك عبد الله، ولكن أيضا كانت نسب توزيعها على القطاعات المختلفة بطريقة فيها دلالات واضحة على عزم الحكومة على ترتيب الأولويات والعمل الجاد نحو الإصلاح والتطوير. فهناك رغبة أكيدة لدى القيادة السياسية في القضاء على الثالوث أعداء الأمة: الفقر، الجهل، المرض، انعكس ذلك على تخصيص نسب عالية من الميزانية لقطاعات التعليم, الصحة, والشؤون الاجتماعية. ويأتي هذا التوجه إيمانا بأن القوة الحقيقية للمجتمع تكمن في أفراد ينعمون بالصحة والعلم والغنى. لقد أدرك ولاة الأمر أن نجاح المشروع التنموي مرهون بقدرتنا على بناء الإنسان وتنميته وتطويره, فهو محور التنمية والقوة الحقيقية وراءها. لم يعد خافيا أن الملك عبد الله, حفظه الله ورعاه, ومنذ توليه سدة الحكم في البلاد, يسعى جاهداً إلى تحقيق أهداف استراتيجية تنقل السعودية إلى مراحل متطورة من التصنيع والإنتاج من خلال تبني عدة مشاريع ضخمة من أهمها المدن الاقتصادية والجامعات والمعاهد المتخصصة.
إن هذا التوجه الاستراتيجي وما يتضمنه من سياسات اقتصادية هو عبارة عن حزم من الحلول والمعالجات لقضايا ملحة ومهمة تأتي في مقدمتها مشكلة البطالة وما تتبعها من تداعيات مثل الإجرام, السطو, المخدرات, والإرهاب. ومن أجل تحقيق هذا الحلم الاقتصادي التنموي الكبير استلزم العمل على تطوير مؤسسات التعليم لتخريج الكوادر الوطنية - العنصر الأساسي في عملية التنمية - وتطوير البحوث والدراسات والاستشارات, وهذا ما تقوله أرقام الميزانية لهذا العام. إن القضايا التي تواجه الأمة معقدة ومتشابكة ومتداخلة بعضها مع بعض وتحتاج إلى سياسات متوازنة ومتعددة الأغراض شمولية تحاول اصطياد أكثر من عصفور بحجر واحد. ما من شك أن هذا ينم عن نظرة عميقة ومتوازنة للأمور وإدراك حقيقة أن معالجة قضايانا تحتاج إلى حلول شمولية تأخذ في الحسبان أن هناك تأثيرات متبادلة بين القطاعات الاقتصادية المختلفة وأنه ليس بالإمكان وضع حلول مجزأة بتناول كل قطاع على حدة دون أخذ القطاعات الأخرى وتأثيراتها في الحسبان.
هذا التوجه الاستراتيجي المستنير الذي يضيء الطريق نحو المستقبل ويرشد نحو الاتجاه الصحيح لبناء دولة قوية سياسيا واقتصاديا، تصادفه عقبة كؤود وتحد كبير يتمثل في تنفيذ الاستراتيجية وتحويلها إلى أرض الواقع بفاعلية وكفاءة. إن صعوبة تنفيذ الميزانية تكمن في النظم الإدارية والمالية للإدارة العامة (الأجهزة الحكومية) التي تتصف بالجمود والتعقيد والمركزية الشديدة والتركيز على الإجراء دون الهدف وغياب قياس الأداء وعدم تطبيق المعايير المهنية . فعلى الرغم من التجربة الإدارية الطويلة، إلا أننا لم نستطع بناء القدرة والخبرة الإدارية، والسبب في ذلك يعود إلى عدم تطور الفكر والفلسفة الإدارية لتساير المتغيرات والمستجدات على الساحتين الداخلية والخارجية. فمازالت هناك مركزية شديدة في عملية صنع القرار ليس داخل التنظيم الإداري الواحد فحسب ولكن بين المستويات الوطنية والمناطقية والمحلية. فهناك إشكالية كبيرة في توزيع الأدوار والمسؤوليات بين هذه المستويات الحكومية. هذه المركزية الشديدة سلبت الأجهزة الإدارية في المحليات القدرة على الإبداع وابتكار طرق جديدة لمعالجة مشكلاتها المحلية. لقد اتضح في ظل المعطيات الجديدة التي في مقدمتها زيادة عدد السكان وارتفاع نسبة التحضر (عدد سكان المدن), والتطور الثقافي، السياسي، الاقتصادي، والتقني للمجتمع، أنه لم يعد بالإمكان الاعتماد على التخطيط المركزي من أعلى إلى أسفل، وكان لا بد من تغيير أسلوب التخطيط التنموي وعملية صنع القرار والتمييز بين ما هو وطني وإقليمي ومحلي حتى يتسنى لكل مستوى عمل ما يجيده من أدوار ومسؤوليات. بمعنى آخر يجب التفكير جديا في منح سلطات تشريعية وتنفيذية للمستويات الإقليمية والمحلية تمكنها من أداء الدور الذي يفترض أن تقوم به وليس الأجهزة المركزية التي يفترض أن يقتصر دورها على الاهتمام بالاستراتيجيات والخطط الوطنية. وهذا يقتضي بالضرورة من الناحية القانونية أن تكون هناك هيئات إقليمية ومحلية مستقلة ومنتخبة ترعى شؤون سكان المناطق والمدن وتقوم على مصالحها ومسؤولة مسؤولية شاملة ومباشرة عن كل القطاعات وليس فقط الخدمات البلدية، أما من الناحية المالية فيلزم أن تكون هناك محاصة في الميزانية Revenue Sharing ـ كما ذكرنا في مقال سابق-تخصص لكل منطقة ومن ثم لكل مدينة وتترك مسؤولية إدارة المنطقة والمدينة لهذه الهيئات المنتخبة تقرر كيفية الصرف حسب أولوياتها المحلية . وفي حال رغب السكان في زيادة عدد أو نوع الخدمات فإن السلطات المحلية مهيأة من الناحية القانونية التشريعية لفرض الرسوم والضرائب بما يستوفي الفارق بين المخصصات المالية من الحكومة المركزية ورغبات السكان. إن من شأن ذلك إيجاد النضج السياسي لدى سكان المدن وزيادة اهتمامهم بالشأن المحلي وتملكهم قضاياهم وبالتالي الإسهام في التنمية المحلية بكل ما أوتوا من قوة وليس كما هو واقع الحال كل (نفسي نفسي) يقتصر اهتمامه على محيط منزله فلا يهتم بنظافة الشارع ولا بتفقد أحوال جيرانة ولا بالعمل التطوعي في الحي. إن التنمية الحقيقية تصدر من داخل الأفراد ورغبتهم ودافعيتهم وحماسهم في العمل على تطوير مدينتهم اقتصاديا واجتماعيا. لقد حان الوقت لأن ندرك أهمية المشاركة الشعبية في عملية صنع القرار وإحداث تغيير في مفهوم الحكومة من حيث إنها علاقة تبادلية وليست في اتجاه واحد.
ان الاعتماد على البيروقراطيات دون أن يكون هناك مجالس تشريعية نيابية أسهمت في سلبية سكان المدن وإيجاد ثقافة الاتكالية واللامبالاة والتراخي.
إن ما عزز هذه الثقافة الاتكالية أن ليس هناك علاقة بين الدخل الوطني والإنتاج الوطني الحقيقي (العضلي والفكري). فالدخل الوطني مرتبط إلى حد كبير بالإيرادات النفطية ارتفاعا وهبوطا حسب أسعار السوق العالمية للنفط. إن هذا الوضع للاقتصاد الوطني أدى إلى ثقافة الوفرة، وأصبح هناك بعض السلوكيات الاقتصادية غير الرشيدة على مستوى الأفراد والمؤسسات. ونتج عن ذلك أن دخل الأفراد في كثير من الأحيان لا يعكس بالضرورة أداءهم ومقدار إسهامهم في الإنتاج الوطني. من هنا كان من الضروري لتنفيذ الميزانية واستراتيجيتها وضع أهداف تفصيلية ومعايير مهنية وتقييم دوري يوضح إلى أي مدى تم تحقيقها في كل مرحلة. وهذا لا يتأتى من خلال النظم المالية الحالية التي تعتمد على موازنات البنود ولا ترتبط بالأداء والبرامج. فالنظام المالي ينزع الثقة والمسؤولية والإبداع من متخذي القرار ويحولهم من قيادات إدارية منوط بها صنع الاستراتيجيات والخطط إلى حصرهم في أدوار روتينية ضيقة لا تدع مساحة للبحث عن أوضاع وحلول ومعالجات جديدة. إن المتفحص للنظام المالي يجد أن تقييم أداء القيادات الإدارية يعتمد إلى حد كبير على مدى تطبيقها الإجراءات الروتينية والالتزام بها دون النظر إلى النتائج المحققة. هذا الاستغراق في الإجراءات قصد منه الحفاظ على المال العام ولكن هي ذاتها تعطل العمل وتبطئ الأداء وتؤدي في نهاية المطاف إلى عدم تحقيق الأداء المطلوب والأهداف الحقيقية من المشاريع، كما أن هذه الإجراءات المالية التي لا ترتبط بالأداء والنتائج يتم تطبيقها شكليا ظاهريا, وبالتالي لا يمكن التأكد من عدم مخالفتها. وما يزيد من تعقيد الإجراءات هو الرجوع إلى وزارة المالية في تقرير المشاريع للأجهزة الحكومية دون الاعتراف بالتخصصية والخبرة والدراية لهذه الأجهزة. لقد تحولت وزارة المالية من وزارة مساندة استشارية إلى وزارة تنفيذية تسيطر على عملية صنع القرار داخل الأجهزة الحكومية.
لقد حان الوقت لمراجعة النظم الإدارية والمالية الحكومية وتوزيع الأدوار بين المحليات والحكومة المركزية لضمان تنفيذ الموازنة بكفاءة وفاعلية, وأهم من ذلك, بما يتناسب مع احتياجات السكان ورغباتهم.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي