رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


وسقطت ورقة التوت .. عن وكالة الطاقة الدولية ( 3 من 3 )

[email protected]

وكالة الطاقة ودور شركات النفط العالمية

كأن التخبطات المذكورة في الحلقات الماضية لا تكفي، وأصرت الوكالة على مزيد من "التخبيص"، فالوكالة تفترض في توقعاتها أن دول "أوبك" قد لا تزيد إنتاجها بشكل يتواءم مع توقعات الوكالة بسبب موجة "الوطنية" التي اجتاحت الدول المنتجة للنفط في السنوات الأخيرة. تصر الوكالة، ودون تقديم دليل واحد، على أن انتشار موجة "الوطنية" خطر على مستقبل الطاقة العالمي، لأنه يحد من استثمارات شركات النفط العالمية "وهي شركات تابعة للدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية، قامت حكومات الدول المستهلكة بتأسيس أغلبها مثل شركات النفط البريطانية والهولندية والفرنسية والإيطالية" في الحقول الغنية في النفط في الدول المنتجة له. هكذا، وبكل بساطة، تحول وكالة الطاقة انطباع أحد الاستشاريين إلى حقيقة في تقرير يحمل وزنا عالمياً قد يستخدم كخلفية لصناعة قرارات مهمة تتعلق بسياسات الطاقة أو بالسياسات الخارجية في الدول المستهلكة، فالوكالة لم تقدم في تقريرها دليلاً واحداً على "الانطباع السابق"، بل تتجاهل حقائق عدة، فالوكالة تغاضت عن أثر القوانين البيئية في الدول المستهلكة التي منعت شركات النفط العالمية من الاستثمار في الحقول الغنية بالنفط في هذه الدول، خاصة في الولايات المتحدة.
تجاهلت الوكالة دور زيادة سيطرة الحكومات على القطاع النفطي في بعض الدول المنتجة في تأمين الإمدادات على المدى الطويل، فاتخاذ بعض الدول قرارات باستعادة بعض الحقول من الشركات الأجنبية، وإلغاء العقود القديمة، وتوقيع عقود جديدة تزيد من نصيب الدول المنتجة في العوائد، وزيادة الضرائب على شركات النفط الأجنبية، ثم إنفاق هذه العوائد على برامج اجتماعية وتنموية سيخفف من التقلبات السياسية في هذه البلاد. إن عدم قيام بعض حكومات الدول المنتجة للنفط بالحد من قدرات الشركات الأجنبية على استنزاف مواردها الوطنية كان سيؤدي إلى حروب أهلية طاحنة ستوقف إمدادات النفط من هذه البلاد تماماً. تجاهلت وكالة الطاقة أن هذه الشركات استنزفت موارد بعض الدول النفطية وأسهمت في زيادة الفساد الإداري فيها، كما أنها زادت من فجوة الدخل بين الأغنياء و الفقراء. تناست الوكالة أن كثيراً من الحروب الأهلية في الدول الإفريقية كان سببه وجود الشركات الأجنبية.
تجاهلت وكالة الطاقة إصرار حكومات بريطانيا والنرويج والولايات المتحدة على تملك حقول النفط في مياهها الإقليمية، في الوقت الذي طالبت فيه الدول المنتجة بتسليم ما لديها للشركات الأجنبية! كما تجاهلت الزيادة الكبيرة في الضرائب التي فرضتها الحكومة البريطانية على الشركات العاملة في بحر الشمال، وهي زيادة تماثل الزيادة في الضرائب التي فرضتها بعض الدول النفطية في الفترات الأخيرة. لماذا تعتبر الوكالة أن زيادة الضرائب في كل من فنزويلا وبوليفيا وروسيا والجزائر هي انتشار لموجة الوطنية، بينما لا يعد ما قامت به الحكومة البريطانية كذلك؟
إن زيادة سيطرة بعض الحكومات على القطاعات النفطية في الفترات الأخيرة بعد تحريرها مع انتشار موجة العولمة في التسعينيات ما هو إلا نتيجة حتمية لأمور عدة، أهمها انتشار الفساد الإداري وتحقيق شركات النفط العالمية أرباحا هائلة على حساب شعوب هذه الدول، وهو نتيجة حتمية لعدم توافر الأجهزة الإدارية والمهارات الوظيفية والقوانين الواضحة التي تمكن من فرض الضرائب المثلى وجمعها.
إن توافر أجهزة إدارية وكفاءات وظيفية ونظام قانوني واضح هو الذي مكن للدول المتقدمة مثل الولايات المتحدة وبريطانيا السماح لشركات النفط العالمية بالاستثمار بشكل كبير في أراضيها، لأن هذه الدول تستطيع فرض الضرائب العادلة وجمعها، وهو أمر لا يمكن أن يتحقق في الدول النامية.

الخلاصة
إن توقعات وكالة الطاقة الدولية التي نشرت في الشهر الماضي لا ترقى إلى مستوى الوكالة الذي تنعم به دولياً، فليس فيه جديد لأنه عبارة عن جهد تم فيه تجميع ما كتب خلال العامين الماضيين، إضافة إلى ذلك فإن أهم البيانات، مثل بيانات الاحتياطيات، قديمة نشرت في الصحف والمجلات منذ نحو عام، وبالتحديد يوم 19 كانون الأول (ديسمبر) من العام الماضي. هناك أخطاء كبيرة في البيانات والأشكال البيانية خاصة تلك المتعلقة بالغاز المسيل.
أما التوقعات فإنها مبنية على "انطباعات" وليس على أسس علمية.
إن النماذج الاقتصادية التي تستخدمها الوكالة لتقدير إنتاج دول "أوبك" غير صحيحة، حيث يجب تقدير إنتاج "أوبك" بالطريقة نفسها التي يتم بها إنتاج دول خارج "أوبك".
إن استمرار الوكالة بافتراض أن دول "أوبك" ستنتج الفرق بين تقديراتها للطلب العالمي على النفط وتقديراتها لإنتاج دول خارج "أوبك" له يتناقض مع حقيقة أوضاع أسواق النفط العالمية وله انعكاسات سيئة على العرب. هذه الطريقة لا تخدم إلا السياسيين في الدول المستهلكة والمعادين للعرب في كل مكان.
إن الضحية الأولى لهذه التقديرات ليس العرب كما يظن البعض، إنما مواطنو الدول المستهلكة الذين سيدفعون ثمناً باهظاً للنفط في المستقبل بسبب خطأ توقعات وكالة الطاقة، والسياسات التي ستبنى بناء على هذه التوقعات.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي