نحن .. وإدارة التغيير

[email protected]

لم يكن مفاجئاً لي الخبر الذي نشرته الصحف المحلية أخيرا عن اختيار كلية الإدارة الحكومية في جامعة هارفارد الهيئة العامة للاستثمار في المملكة لإجراء حالة دراسية عملية تُطبق على الهيئة من خلال أحد برامج الكلية عن الإبداع في العمل الحكومي. ولم تكن مفاجئة لي التعليقات الصحافية التي أبدت استغرابها للخبر وطرحت علامات استفهام عن بعض ما ورد فيه بخصوص تركيز الدراسة على عنصر الشفافية في الهيئة، إذ احتج أصحاب تلك التعليقات بالسرية التي لفت مشاريع المدن الاقتصادية وغيرها على نقيض مرتكزات الدراسة.
إن إخضاع تجربة الهيئة العامة للاستثمار إلى دراسة تحليلية رصينة يُعد مكسباً لكل من الهيئة وجهود المملكة في جذب المزيد من الأموال والخبرات الأجنبية للسوق. إذ إن من منافع الدراسة المزمع إجراؤها تسليط الضوء على تلك الجهود من خلال منبر أكاديمي مميز تحظى نتائج دراساته وأبحاثه بقبول واسع في الدوائر المعنية على مستوى العالم. وما ينبغي التنبيه إليه هنا هو أن اختيار الهيئة أو غيرها من المؤسسات العامة كحالات دراسية في الجامعات المرموقة كهارفارد مثلاً لا يعني بالضرورة إشادة مسبقة بالأداء أو حتى بالإنجازات، بل يبقى ذلك كله رهناً لنتائج التقويم التي تخلص إليها الدراسة. ومن المتوقع أن تكون هناك جوانب ضعف تحتاج إلى مراجعة وإعادة هيكلة. بمعنى آخر لا يمكن تصنيف المؤسسات العلمية ذات السمعة الراقية ضمن قائمة ساحات التطبيل التقليدية كما قد يتوهم البعض.

إن تجربة الهيئة العامة للاستثمار ليست الأولى بين المؤسسات العامة في المملكة التي تُعرض في رحاب جامعة هارفارد . إذ سبق أن عرضت المؤسسة العامة للموانئ تجربتها في ندوة متخصصة نظمتها كلية الإدارة الحكومية " JFK School of Government " في آذار (مارس) عام 2000 وكان موضوعها "إدارة التغيير" واستمرت أسبوعاً كاملاً بمشاركة عدد من أعضاء هيئة التدريس في تلك الكلية وكلية هارفارد لإدارة الأعمال Harvard Business School ومسؤولين سعوديين في كل من الحكومة والقطاع الخاص.
في تلك الندوة عُرضت تجارب خاضتها بعض الدول في قارتي آسيا وأمريكا الجنوبية لإدارة التغيير في قطاعات توليد وتوزيع الكهرباء، والاتصالات. بالطبع كانت هناك تجارب ناجحة، وأخرى لم يكتب لها التوفيق إذ إنها انطلقت من قرار سياسي لم تُوفر له الأدوات اللازمة لنقل القطاع من الإدارة الحكومية إلى ساحة المنافسة والإدارة التجارية وفق مبدأ الربح والخسارة. يومئذ كان برنامج تخصيص خدمات الموانئ السعودية في مراحله المبكرة و لم يمض على إطلاقه أكثر من ثلاث سنوات فقط! إلا أن الآليات التي تبناها البرنامج والنتائج التي تحققت في مضاعفة معدلات الأداء وجذب الاستثمارات لفتت نظر الخبراء في هارفارد ما دعا مدير الندوة إلى أن يصف تجربة الموانئ السعودية بأنها " أثارت إحدى أكثر المناقشات والجلسات فائدة وحيوية one of the most productive and dynamic discussions stimulated".

بالطبع المملكة لديها تجارب أخرى كثيرة في الإدارة تستحق الدراسة والتحليل بأسلوب منهجي محايد. على رأس تلك التجارب إدارة مدينة الرياض التي يقودها الأمير سلمان على مدى 50 عاماً، وهي تعد من الإنجازات التي ربما لن يجد الدارسون تفسيراً لنجاحها سوى أن الله تعالى قيض رجلاً من طراز فريد في الزمان والمكان المناسبين لأداء عمل تذكره له الأجيال. وفي مجال العمل الاجتماعي لدينا نماذج متعددة تستحق أن تكون ضمن تلك النخبة كبرامج جمعية الأطفال المعوقين، وبرامج عبد اللطيف جميل لخدمة المجتمع، وغيرها. أما في القطاع الخاص، فهناك تجربة "سابك" التي تقف نسيجاً وحدها.
وكما أن هناك نماذج مشرقة للتجارب الناجحة في إدارة التغيير، فهناك رصيد من التجارب الفاشلة تستحق أيضاً إخضاعها إلى الدراسة كي نحذر تكرارها.
??

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي