الإدارة الذكية .. عبد الواسع نموذجاً
إذا كان مصطلح القيادة الإدارية الذكية من المصطلحات الإدارية التي تواكبت مع عصر العولمة، فإن الأستاذ عبد الوهاب عبد الواسع، رحمه الله، كان أحد الذين تفاعلوا وطبقوا هذا النوع من القيادة قبل نصف قرن، أي قبل أن يطرح هذا المصطلح ويدرج ضمن قائمة المصطلحات التي أفرزها عصر العولمة الذي نعيشه الآن.
وقصة المرحوم الأستاذ عبد الوهاب عبد الواسع تبدأ حينما أصدر الملك سعود، يرحمه الله، أمراً بإنشاء وزارة المعارف ووزَّر عليها خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز، طيب الله ثراه، وكانت أولى مهام الوزير الجديد هو البحث عن الكوادر الكفؤة القادرة على تحمل مسؤوليات بناء جيل جديد يتسلح بالعلم والمعرفة.
وكان عبد الوهاب عبد الواسع أحد الذين اختارهم وزير المعارف ليتولى إحدى الوظائف القيادية في الوزارة الوليدة.
كان الوقت عصيبا على الوزارة التي كلفت بتوفير الكفاءات السعودية القادرة على القيام بمهمات تحقيق التنمية والانتقال بالبلاد من الجهالة والتخلف إلى نور العلم والتقدم.
وفي ذلك التاريخ أنعم الله سبحانه وتعالى على هذه المملكة الفتية بزاد النفط الذي أخذ يتدفق من تحت أقدامها كالسلسبيل وزاد الطلب عليه في السوق العالمي وتضاعفت إيرادات الدولة.
وكان المال الوفير الذي يتدفق من النفط يشكل طلباً متزايداً على الكفاءات المتعلمة. وهكذا كان عبد الواسع وجميع زملائه الذين كانوا يشاركونه مسؤولية إدارة وزارة المعارف هم أساطين التربية والتعليم في المملكة العربية السعودية.
وعلى طول تاريخ التعليم, كان عبد الواسع في هيكل الوزارة بمثابة رمانة الميزان التي تملك - بالموقع والكفاءة - تعديل المائل وتصليح الاعوجاجات ووضع الأمور في نصابها، إنه القيادي المهم في كل موقع يكون فيه، هكذا كان في وزارة المعارف وهكذا كان في هيئة الرقابة والتحقيق، وهكذا كان في وزارة الحج والأوقاف، ثم هكذا كان في مؤسسة عكاظ للصحافة والنشر.
إن سلسلة نجاحات عبد الواسع سببها أنه كان قائدا إداريا ذكيا يلتزم بالقواعد المهنية والحرفية الرشيدة. ولم يبرع عبد الواسع في الإدارة بالتطبيق فقط، بل كان أحد أساطين الإدارة أكاديميا وكان أول سعودي يؤلف في الإدارة ويصدر كتاباً عن إدارة الأفراد ويقرره ويدرسه على طلابه في جامعة الملك سعود في العاصمة الرياض.
وفي ذلك الوقت الذي صدر فيه كتاب مبادئ إدارة الأفراد لمؤلفه عبد الوهاب عبد الواسع, كانت المراجع في هذا التخصص قليلة وكان المؤلف يعاني كثيرا حتى يستطيع أن يصدر كتابه، ولكن أهم صفات هذا الكتاب أنه يتميز عن الكثير من الكتب الأكاديمية بالجانب التطبيقي الذي يحمل – بلغة هذه الأيام – صفة الإدارة الذكية.
ولعل من أهم صفات القيادة الذكية العمل قبل الكلام، وهكذا كان الأستاذ عبد الوهاب قليل الكلام ولكنه كثير العمل والإنجاز، كان مثابرا ومبدعاً في العمل الإداري وحينما عين الشيخ حسن آل الشيخ وزيرا للمعارف كانت العلاقة بين الوزير والوكيل علاقة عمل وعلاقة صداقة انعكست على إنجازات تعليمية هائلة عمت جميع مدن وقرى وهجر المملكة وانتشرت المدارس السعودية في الفيافي والقفار حتى بلغت قمم الجبال.
ولكن بعد نحو نصف قرن من العمل الناجح في المعارف, أصدر الملك فيصل، يرحمه الله، أمرا بإنشاء هيئة الرقابة والتحقيق واختار لها الأستاذ عبد الوهاب عبد الواسع وكان عبد الواسع حزينا وهو يغادر صرح الوزارة.
وأذكر أنه حينما عين رئيسا لهيئة الرقابة والتحقيق ساوره شك في أسباب التعيين فسعى إلى الأمير عبد الله الفيصل يستفسر منه عن الأسباب التي أدت إلى نقله من وزارة المعارف التي خدم فيها نصف قرن إلى هيئة جديدة، هل هي الثقة الزائدة أم انفراط الثقة فيه، ومن حسن حظي أنني كنت ساعتها في مجلس الأمير عبد الله الفيصل، فقال له الأمير عبد الله أنا متأكد أن الوالد اختارك ثقة عميقة فيك وليس تفريطا في الثقة.
وفي اليوم التالي استشف الأمير عبد الله الحقيقة من الديوان الملكي وتأكد أن الثقة لا التفريط فيها هي التي جاءت بالشيخ عبد الوهاب إلى هيئة الرقابة والتحقيق، ثم أنها هي التي نصبته – فيما بعد – على وزارة الحج والأوقاف، حتى أوصلته مستشارا في الديوان الملكي.
إن سجل المرحوم عبد الوهاب عبد الواسع حافل بالإنجاز الواسع المتعدد الجوانب، لقد رأس العديد من مجالس الإدارات وكان آخرها رئاسته مجلس إدارة مؤسسة عكاظ للصحافة والنشر، استطاع عبد الواسع أن يخرج عكاظ من فيلا بالإيجار إلى بناء أحد أكبر صروح الإعلام السعودي. وكان حينما يترأس مجلس الإدارة تنساب مقترحاته إلى قلوب الأعضاء قبل عقولهم فيأخذ الموافقات دون عناء, واستطاعت المؤسسة في عهده بناء أحد أكبر صروح الإعلام في المملكة، واستطاعت المؤسسة أن تحقق أكبر مشاريعها الصحافية حتى أصبحت تصدر أربع إصدارات وتسهم بقوة في بناء قاعدة الإعلام السعودي الملتزم.
كان الأستاذ عبد الواسع يمارس قيادته الذكية تلقائيا داخل وخارج الوزارة، فكان يتذكر أصدقاءه وهو في قمة سلمه الوظيفي، وكان يسأل عنهم ويبادر هو بالاتصال بهم ويسأل عن أحوالهم وصحتهم، كان يدير علاقاته العامة بمهارة وألمعية حافظت على أصدقائه طوال حياته دون أن ينتابه النسيان.
كان عبد الواسع حريصا جدا على رفاقه وأصدقائه ولو بعدت بهم المسافات، وأذكر أنه حينما مرض الأستاذ عمر شمس وقرأ عن مرضه في الصحف سألني عنه وعن أحواله وهل يريد المساعدة، فأوصلت الرسالة ولكن قيل لي أن عمر شمس ينتظر لقاء ربه فأوصلت الخبر إلى الشيخ عبد الوهاب فحزن حزناً شديداً. وحينما كتبت الصحف خبرا عن مرض عضو مجلس الشورى الأسبق الأستاذ محمود عارف طلب الأستاذ عبد الوهاب تلفونه فأعطيته التليفون واتصل به وسلم عليه وطلب منه أن يقدم له أي خدمة يحتاج إليها ولكن محمود عارف كان زاهدا في الدنيا ومستلقيا يطلب رحمة ربه.
رحم الله عبد الواسع المربي الفاضل أحد رموز التعليم الذين أنجبتهم هذه البلاد الطيبة المباركة وأكثر الله من أمثاله "إنا لله وإنا إليه راجعون".