أعداؤنا: ثلاثة!
.. في الثانوية تعلقت به كثيرا، فقد كان مدرسا حقيقيا بكل علم المدرس ورصانته، وعطفه، كان يقول لنا:" أنا المسؤول عن رعية من الصغار الذين أحب أن أقودهم للمستقبل الطيب، وأحب أن أراهم معا، وأحميهم من غوائل الدنيا ومنحرفي البشر.. ومن الضياع. وعندما يضيع واحد منهم فإني لا أهنأ ولا أستقر حتى أبحث عنه وأجده وأضمه للجماعة، وأحرص عليه حتى لا يعود للتيه. أنا راعيكم، لذا من يقصر في علاماته، ومن يغيب عن الفصل، ومن لا يجاري زملاءه عليه أن يتأكد أني سأحبه أكثر وسأعتني به أكثر وسأعيده، رغما عنه، إلى الجماعة ومجاورة الزملاء، هذا دوري، ولا يسعدني إلا أن يعود، ولا يشقيني إلا أن يضل أو يُعاقبَ عقابا جسديا يستفحل في نفسه، ويعزز الضياعَ في عقله وروحه."
أستاذي الآن متقاعد، ومازال معلمي المفضل، لما دخلت الجامعة، كتبت له رسالة "أني أفتقده، وأنه ما زال أفضل من علمني" .. قضيت المرحلة الجامعية أراسله ثم انقطعت. ودارت السنوات، ونمت حصيلتي العقلية، وكثرت تجاربي، وانشغلت بقضايا كثيرة، وقفت مع بعضها ، ووقفت ضد بعضها، وعرفت أني لم أصل إلى كثير من الإجابات، وأني ما زلت في حاجة لحكمته ودرايته،ولما أتعرض لموقف أسأل نفسي دائما: "لو كان الأستاذُ مكاني في هذه القضية، فماذا يا ترى كان سيكون رأيه؟" هذا نفعني.
ولما اهتديتُ إلى معلمي، ثابرت على زيارته، رغم مرضه، وثقل السنين على هيكله، إلا أنه لم يتداعَ، فهو أول من أشار لنا عن مسرحية إسبانية بعنوان: " الأشجار تموت واقفة" وكان يهتز بهذا العنوان، وينطقها بفخامة ما زالت يتجاوب صداها في ذاكرتي. ولما أجلس إليه يسألني ضاحكا: "ما أهم مواضيع اليوم؟".. نفس ما كان يستفتحنا به كل صباح أيام التلمذة.
.. وكنت أعرض عليه بعض أحوال الأمة، ويجيبني دوما أنه يضحك على المشهد اليومي لقضايانا ويرى أنه سهل الحل.. ولكن الصعوبة ليس في الحلول وإنما في إدراكنا الحلول.. ويقول لي :"اسمعني .. لو تخلصنا من هذا الثالوث المتحكم بنا، أعداؤنا: الغضب، والتزلف، والمكابرة، لوجدنا طرق الضياء ممهدة بالحرير إلى الحلول.."
اشتعلت في الأمة يوما قضيتان مهمتان: الأولى، حق المرأة في الانتخاب وقيادة السيارة، وتوابعها.. والثانية السجون والمحاكمات، فسألته الرأي. اعتدل معلمي في سريره، وهو يضحك فتهتز كتفاه مطلقا كحة صغيرة، ويرد مبتسما : "المرأة هذه قضية الرجل منذ رأى الرجل المرأة لأول مرة.. يعني لم يرتح العالم حتى لما تركوا المرأة تفكر لنفسها ومن دون وصاية. على كل حال قضيتنا محلولة، والذي يعقدها هؤلاء الذين ينصّبون أنفسهم أبطالا ضد قضية للمرأة أو مع قضاياها، ومنهم طلاب شهرة. المهم إننا أكثر الأمم حظا في الحلول، ولكن كما أقول لك هو هذا الثالوثُ الذي يعطل أشياء باهرة الوضوح والعدل. الإسلام قال لنا ببساطة إن هناك أصول ولا يجب العبث بها، أو لا نكون من المسلمين حقا، وخيارنا كأمة هو الإسلام، ثم ترك لنا الفروعَ التي تتغير طبقا لصروف ومقتضيات المعاش، وتعاقب طبائع الحياة. لتطالب المرأة ومناصروها بحقوقها الشرعية كاملة، وهذه من الممكن الوصول إليه إذا لم تنزلق وينزلقون الآن في الفروع.. أما القضايا هذه التي هي حياتية، فما يستعصي اليوم سيسود غدا كحقيقة حياة، فإن كانت القيادة للمرأة من حقائق الحياة في يوم ما فهي ستكون، وإن لم تكن فسترجأ إلى أن تكون.. تأكد من هذا. ولكننا نـُصطـَاد من غفلة، فننتقل إلى أطراف المائدة، وأُعمينا عن أطباقها الرئيسة.
وقلت له إن الناس منشغلون أيضا بالقضية الثانية.. المحاكمات والسجون، فتـُسـَوَّد الصفحات وتبعث الرسائل، وتؤجج المشاعر، ويتراشق الناس في المواقع الإلكترونية، وتنبعث معارك خبيئة، وتتلفع خلافات ثوب السفور. فقال لي بذات النبرة: " وهذه المسألة بسيطة أيضا.. ولكنه الثالوث المتحكم إياه.. وأحيلك إلى مثـَل المدرسة، فهناك طلاب لا خير منهم فهم يرتكبون الخبائث قاصدين عامدين، فهؤلاء لابد من طردهم من مجتمع المدرسة، وهناك طلبة يحبون أن يناقشوا ويحاججوا الأساتذة فإذا كان الأستاذ ضيق الرؤية فهو يترك نفسه للثالوث يتحكم به فيجني على التلميذ، ويكون جنى أيضا على أستاذيته. ومدرس يهنأ برد التلاميذ، ويحب أن يبعث النقاشُ الحياة َالنشطة في عقولهم، فيرعى هذا النشاط ويحميه أيضا ألا يشط ويبالغ. وهذا حق الأستاذية. وهناك طلاب يعتزلون زملاءهم ويتمردون على المنهج، والمنهج ليس قدسيا فقد يكون لهم وجهة حق، وقد يكونون من المخطئين التائهين. وهنا على راعي الجماعة أن يعمل على إعادة هؤلاء، أو تعديل ما يمكن تعديله في طريقة المنهج، ولا يهنأ حتى يراهم ضمن زملائهم.. فخيارنا للتلميذ، إما نضع حياته في الدرب السالك للطموح، أو أن ندمر أمامه طريق الضياع ووسائل الطريق."
ثم ضحك معلمي.. ونام!