رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


صناديق الاستثمار المحلية تختتم 2006 بخسارة 50.5 %

[email protected]

اختتمت صناديق الاستثمار في سوق الأسهم المحلية عامها 2006 بأكبر خسارة في تاريخها؛ وصلت إلى 50.5 في المائة، مقارنةً بربحيتها القياسية المسجلة عام 2005 التي بلغت 117.2 في المائة، ومقابل خسارة إجمالية للسوق المالية المحلية خلال العام نفسه وصلت إلى 53.3 في المائة. أما بقياس حجم الخسارة الرأسمالية مقارنةً بأعلى قيم في وحداتها سجلتها تلك الصناديق الاستثمارية في 25 شباط (فبراير) 2006، فإن الخسارة تزداد فداحةً إلى 58.9 في المائة، مقارنةً بالخسارة التي لحقت بأداء مجمل السوق خلال الفترة نفسها البالغة 61.5 في المائة! ونتيجة لتلك التطورات المريرة جداً في أداء السوق المحلية والصناديق الاستثمارية خلال عام 2006 اللذين شهدا الخسارة الأكبر والأعنف في تاريخهما؛ فقد فقدت الصناديق الاستثمارية جزءاً كبيراً من صافي قيمة أصولها وصل إلى 90.8 مليار ريال لتستقر مع نهاية عام 2006 عند 29.9 مليار ريال فقط! أي ما يفوق 75.3 في المائة من أعلى قيمة وصلت إليها تلك الصناديق في 25 شباط (فبراير) 2006 البالغة 120.7 مليار ريال. والحال تنطبق تماماً على السوق المحلية التي استقرّت قيمتها السوقية عند 1.2 تريليون ريال، خاسرةً نحو 1.9 مليار ريال باستبعاد أثر الاكتتابات المتتالية التي شهدتها السوق بكثافةٍ غير مسبوقة على الرغم من تراجع أدائها.
من جانبٍ آخر؛ تزامن مع هذا التراجع الكبير في أداء الصناديق الاستثمارية انسحاب عدد كبير من المشتركين فيها، وصل خلال الربع الثاني من 2006 فقط إلى 72.4 ألف مشترك؛ أي نحو 13.3 في المائة من إجمالي عددهم في نهاية الربع الأول من العام نفسه! وعلى الرغم من عدم توافر أي بيانات حديثة خلال الربعين الأخيرين من 2006 عن تلك الإحصاءات المهمة على موقع مؤسسة النقد العربي السعودي، يتوقع أن تكون أعداد المنسحبين من تلك الصناديق الاستثمارية قد زادت بنسبٍ كبيرة جداً قياساً على أداء الصناديق السلبي من بعد اشتعال أزمة السوق المحلية. في هذا الشأن؛ أتساءل لماذا لم تستمر مؤسسة النقد في الوتيرة المعتادة لنشر الإحصاءات المتعلقة بالصناديق الاستثمارية، والحديث ينطبق أيضاً على إحصاءات القروض الاستهلاكية التي توقف نشرها عند منتصف العام الماضي؟! لا أعتقد أن تأخير نشر تلك الإحصاءات بالغة الأهمية يمكن أن "يلطّف" من حمّى الخسائر الفادحة التي لحقت بالسوق وحتى الصناديق الاستثمارية، كما أن هذا التقصير الواضح في الشفافية المعلوماتية من قبل مؤسسة النقد أو من أي جهة رسمية أخرى ملزمة بنشر المعلومات والإحصاءات يتنافى مع قرار مجلس الوزراء الموقر بالنشر المنتظم والمستمر لأي إحصاءات تتعلق بالنشاط الاقتصادي والمالي، هذا عدا تعارضه مع المعايير الدولية التي تلزم الدول الأعضاء في أي من صندوق النقد والبنك الدوليين وبنك التسويات ضرورة النشر المعلوماتي المستمر والمنتظم المقيد بمواعيد زمنية صارمة.
كيف ولماذا خسرت الصناديق الاستثمارية؟!
تطرّقت أكثر من مرّة خلال العام الماضي لهذا السؤال والإجابة عنه، ولعله من المفيد جداً في خضم الأجواء الحمراء الراهنة أن نقرأ خفايا إجابة هذا السؤال مرة أخرى. وكما أشرت من قبل إلى أن سوق الأسهم المحلية تتموضع في الوقت الراهن في واحدةٍ من أصعب المراحل التي تمر بها الأسواق المالية، حيث يسيطر طابع المضاربات العشوائية على أغلب تعاملات السوق، تجاوزت نسبتها في فتراتٍ سابقة كثيرة سقف الـ 61 في المائة كنسبة لإجمالي قيمة التعاملات الأسبوعية على شركات المضاربة من إجمالي قيمة تعاملات السوق المحلية بأكملها! ولنتمكن من تخيّل ضخامة المعضلة تلك فإن النسبة أعلاه تتم على شركات خاسرة للعديد من السنوات وكونها صغيرة لا تتجاوز نسبة قيمتها الحقيقية من إجمالي القيمة السوقية أكثر من 3 في المائة، أدّت حمّى المضاربات العشوائية إلى تضخيمها بأكثر من ثلاثة أضعاف حتى فاقت نسبة قيمتها من إجمالي السوق 9.4 في المائة! اختطّت تعاملات السوق المحلية هذا الاتجاه بقوى مضاعفة لا تقل عن تلك التعاملات التي سبقت تاريخ 26 شباط (فبراير) الماضي للعام الجاري؛ تاريخ سقوط سوق الأسهم المحلية في مستنقعات الخسائر الفادحة! زخمٌ عملاق من السيولة تدافع بصورةٍ شرسة على أسهم شركات المضاربة، لم يقابله ما يمكن أن يسهم في تغيير مراكز أسعار أسهم ما عُرف بالشركات القيادية أو الشركات ذات العوائد! تفيد معرفة تلك الحقائق المستقاة فعلياً من واقع السوق المحلية في معرفة أسباب خسارة الصناديق الاستثمارية بهذه الصورة الفادحة. فما تلك الأسباب؟!
السبب الأول: أدّت غلبة طابع المضاربة على الاستثمار في سياق تعاملات السوق إلى ارتفاع كثير من أسعار أسهم شركات المضاربة بصورةٍ قياسية، تجاوزت في حالاتٍ كثيرة منها حتى مستوياتها المسجلة مع إقفال 25 شباط (فبراير) الماضي للعام الجاري؛ وصل في حالة إحدى شركات المضاربة إلى 77.2 في المائة بالمقارنة بين سعرها في 25 شباط (فبراير) الماضي! وأخرى فاق نمو أسعارها بعد 11 أيار (مايو) 2006 إلى منتصف أيلول (سبتمبر) أكثر من 1041 في المائة!
السبب الثاني: أفضت الوقائع السابقة أعلاه إلى فرض واقعٍ لطبيعة التعاملات السائدة في السوق المحلية كثير التشوهات؛ مؤداه أن الطريق الوحيد للربح والربح فقط يتمثل في انتهاج أسلوب المضاربات الحادة، وأن بقية طرق التعاملات على رأسها أسلوب الاستثمار قصير ومتوسط الأجل لن يجد من يسلكها سوى الخسائر تلو الخسائر. يحدث هذا بغض النظر عن نتائجها السلبية على مستوى استقرار السوق، أو الانحراف بها عن الأهداف الأساسية التي لأجلها وجدت الأسواق المالية في الاقتصادات الحديثة، بل إن هذا الأمر حتى غير وارد على الإطلاق في أذهان الهوامير ومنسوبي الجروبات قادةً وأتباعا!! ويزداد أثر سيطرة مثل هذا الواقع المؤسف للتعاملات اليومية في السوق المحلية إذا علمنا أن الاستثمارات الفردية فيها تسيطر على أكثر من 90 في المائة منها، في مقابل ما لا يتجاوز 2.4 في المائة تقف عليها الاستثمارات المؤسساتية ممثلةً لدينا في صناديق الاستثمار. إذاً الموجة السائدة هنا هي الموجة العملاقة للمضاربات العشوائية، وما سواها من موجات فلا تتعدى قطرات من الماء في وجه الطوفان المضاربي القائم.
السبب الثالث: وفقاً لما تقدم من حقائق مروّعة، وبناءً على السياسات الاستثمارية الملزمة بها صناديق الاستثمار في سوق الأسهم المحلية؛ التي تجبرها على الاستثمار في أسهم الشركات ذات العوائد وتمتلك مراكز مالية متينة وخلافه من محددات التحليل الأساسي التي يلتزم بها قانونياً وتنظيمياً مديرو صناديق الاستثمار، فإن التهمة الموجهة إليها بانعدام الكفاءة أو الخبرة لديها تهمة باطلة تماماً! كيف ذلك؟ إذا علمنا أن ما تصل نسبته إلى 85 في المائة من الأصول الاستثمارية للصناديق موضوعة في أسهم الشركات القيادية وذات العوائد وذات المراكز المالية المتينة، وأن أسهم هذه الشركات لم يتحقق لها معدلات النمو اللازمة التي تؤهلها على أقل تقدير لتعويض خسائر المستثمرين فيها، دعْ عنك منافسة معدلات النمو القياسية المتحققة بالنسبة لأسهم شركات المضاربة! خصوصا في تلك الشركات القيادية الكبرى التي تمثل الثقل الأكبر في السوق وفي محافظ الصناديق الاستثمارية؛ حيث لم يتجاوز نمو سعر شركة سابك "20 في المائة من السوق" خلال الفترة من 11 أيار (مايو) إلى 13 أيلول (سبتمبر) من هذا العام أكثر من 2.3 في المائة، وسعر مصرف الراجحي "12.2 في المائة من السوق" خلال الفترة نفسها أكثر من 36.2 في المائة، وسعر شركة الاتصالات السعودية "12.0 في المائة من السوق" الذي ما زال محملاً بالخسائر خلال الفترة نفسها بنحو 2.4 في المائة، هذا بالإضافة إلى بقية القطاع البنكي باستثناء مصرف الراجحي الذي يشكل نحو 22.6 في المائة من السوق المحلية والذي ما زال خاسراً خلال الفترة نفسها السابقة أعلاه بنحو 6.9 في المائة. كل ذلك كان أحد أهم مسبباته عدم حصول أسهم تلك القطاعات الحيوية وشركاتها على حصصها الكافية والملائمة من السيولة المتوافرة في السوق استجابةً لأدائها الأساسي، الذي يُفترض أن ينعكس على الأسعار السوقية لأسهمها بالنمو والصعود على أقل تقدير بربع المتحقق في شركات المضاربة. وعليه، فإن مسألة تحقيق أداء أفضل بالنسبة لتلك الصناديق الاستثمارية وفق الصورة المختلة تماماً أعلاه؛ تصبح مسألة أقرب إلى المستحيل منها إلى حدود الممكن! ونزداد يقيناً بهذا التفسير إذا علمنا أن قدرة الصناديق الاستثمارية لا تتجاوز من السوق المحلية أكثر من 2.4 في المائة.
السبب الرابع: واجه مديرو الصناديق الاستثمارية أخطاراً وتحديات زادت من تعقيدات عملها، لعل من أهمها المحافظة - على أقل تقدير - على مدخرات المشتركين والمشتركات في الصناديق الاستثمارية. كان أكثر تلك التحديات خطراً زيادة طلبات الاسترداد الواردة من المشتركين والمشتركات خلال الأزمة التي مرّت بها السوق المحلية، ونعتقد أن افتقاد كثيرٍ من المستثمرين الحدود الدنيا من أبجديات الثقافة الاستثمارية، أسهم بصورةٍ كبيرة في زيادة طلبات الاسترداد، خصوصا فيما يتعلق بالاستثمار في صناديق الاستثمار التي تتطلب من الناحية الزمنية فترات زمنية طويلة تمتد إلى أكثر من ثلاث سنوات، إضافةً إلى عدم معرفتها بمعدلات المخاطرة العالية المرتبطة بهذا النوع من الاستثمار في الأسهم. وأمام السيل المتدفق من هذه الطلبات تضاءلت كثيراً الفرص والخيارات المتوافرة لدى مديري الصناديق الاستثمارية، ليضطروا من ثم إلى بيع جزء من أصولها الاستثمارية حتى وإن كان بخسارة لمقابلة تلك الطلبات، ولعل خروج أكثر من 72.4 ألف مشترك من تلك الصناديق الاستثمارية خلال الربع الثاني من هذا العام؛ كفيلٌ بإيضاح حجم المشكلة التي واجهها مديرو تلك الصناديق الاستثمارية.
السبب الخامس: إذا كان هناك انتقاد يمكن توجيهه إلى الصناديق الاستثمارية فلن يتعدى وقوعها في المحظور من جهة تسببها في رفع مستويات المخاطرة على عملائها، حينما أفرط بعض تلك الصناديق في تقديم التسهيلات المالية بضمان مبالغ اشتراكات مشتركيها فيها. هذه الإشكالية الخطيرة جداً أسهمت بدرجةٍ كبيرة في تكبيد جزء لا يستهان به من المشتركين والمشتركات خسائر طائلة، وصلت في العديد من الحالات إلى خروج أولئك المشتركين "صفر اليدين" من تجربة الاستثمار بواسطة الصناديق الاستثمارية، الخيار الاستثماري الذي كان يفترض أن يكون أقل الخيارات المتاحة مخاطرةً على مدخرات المستثمرين! وفي حالاتٍ أكثر سوءا خرج بعض المستثمرين في الصناديق الاستثمارية مدينا إضافةً إلى خسارته رأسماله.
السبب السادس: أن خروج الصناديق الاستثمارية من المأزق الواقعة فيه مرهون بخروج السوق المحلية من دوامة المضاربات العشوائية الراهنة! وهذا أمرٌ دون شك خارج القدرات والإمكانات المحدودة المتوافرة لدى الصناديق الاستثمارية، خصوصا أن قوتها النسبية في السوق لا تتجاوز 2.4 في المائة من إجمالي السوق المحلية، وهذا ما ينزع عنها مقولة كونها أحد صناع السوق المحلية! أما كيفية الخروج من الطريق الوعرة التي تمر بها السوق المحلية فلا تتعدى خيارين في الوقت الراهن: الخيار الأول: الطريق الطويل؛ المتمثل في ارتفاع درجات الوعي الاستثماري لدى عموم المستثمرين الأفراد الذي يشكلون أكثر من 90 في المائة في سوقنا المحلية، والتي يؤمل أن تلعب دوراً معقولاً في تغيير اتجاهات قراراتهم الاستثمارية داخل السوق، كأن يزيدوا من الحصص النسبية في محافظهم الاستثمارية لطابع الاستثمار، ويخفّضوا من ثم من المخصصات النسبية لطابع المضاربات العشوائية، والوصول بها إلى مستوياتٍ متدنية أكثر من المستويات الراهنة. هذا الخيار على الرغم من تأخر أثره يبقى قائماً، على أمل أن يزيد من سرعة حدوثه أن تتدفق على السوق المحلية سيولة جديدة تتركز بالدرجة الأولى في الذهاب إلى أسهم الشركات ذات العوائد والقيادية، وزيادة جاذبيتها الاستثمارية بالتالي أمام عموم أولئك المستثمرين الأفراد، وتكون بديلاً أكثر جدوى وأقل مخاطرة من دروب المضاربات العشوائية غير المأمونة في جميع الأحوال. الخيار الثاني: أن يحدث تجزئة أو تقسيم للسوق المحلية إلى سوقين أو ثلاثة، يتم من خلاله فصل الشركات ذات العوائد والمراكز المالية المتينة عن الشركات حديثة الطرح وشركات المضاربة، هذا الخيار كفيل بفتح الطريق على مصراعيه لمدخرات صغار المستثمرين للدخول إلزاماً باتجاه السوق الأول الذي يضم شركات الفئة الأولى، وتضييقه من بابٍ آخر على السوق الأخرى التي تضم شركات الفئة الثانية في ظل القيود المتعارف عليها والمستخدمة دولياً في مثل هذا النوع من الأسواق. هذا الخيار يمكن له أن يلعب دوراً لا يستهان به في تقنين اتجاهات السيولة المتوافرة في السوق، وتسخيرها في مصلحة جميع الأطراف دون الإخلال بعدالة توزيع السيولة المدارة في السوق المالية، إضافةً إلى مساهمتها الفاعلة في رفع كفاءة السوق وتوظيفها بصورةٍ فعلية في خدمة الاقتصاد الكلي كقنواتٍ استثمارية مجدية، هذا عدا المساهمة في المحافظة على استقرار السوق، والمحافظة من ثم على مدخرات المستثمرين بصورةٍ أكبر؛ تلتقي تماماً مع الأهداف الأساسية المنصوص عليها في نظام السوق المالية.
أخيراً ..
أكرر ما ذكرته سابقاً حول التجربة التاريخية للصناديق الاستثمارية التي تقف في صالحها، ففي عام 1994 تكبدت الصناديق الاستثمارية خسائر فاقت 19.9 في المائة، استطاعت إطفاءها وتجاوزها خلال الأعوام الثلاثة اللاحقة 1995 و1996 و1997 بمعدلات نمو تراكمية بلغت على الترتيب 8.2 في المائة، و14.2 في المائة، و20.4 في المائة! وتكررت الحالة نفسها بنهاية 1998 التي تكبّدت فيها الصناديق الاستثمارية خسائر فاقت 15.2 في المائة، وكانت آخر خسارة سجلتها قبل أن تتكبد ما تكبدته من خسائر فادحة خلال 2006، إذ ظلّت الصناديق الاستثمارية تسجّل معدلات نمو إيجابية طوال السنوات السبع اللاحقة من 1999 إلى 2005"، بل استطاعت أن تسجل معدلات نمو قياسية كالتي حققتها في العام الماضي 2005 حينما فاق متوسط أرباحها 117.2 في المائة، مقارنةً بمعدل نمو السوق المحلية 104.7 في المائة. وهذا ما يجب أن يأخذه المشتركون في صناديق الاستثمار بعين الاعتبار مستقبلاً، إذ أثبتت التجربة الفعلية للاستثمار في الصناديق الاستثمارية أنها رابحةً في الأجل الطويل إذا تجاوزنا خسارتها المحتملة في الأجل القصير!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي