أزمة المصارف السعودية!

[email protected]

تناول محافظ مؤسسة النقد العربي السعودي في مؤتمر صحافي عُقد في 22/10/1427هـ الأوضاع المالية العامة في المملكة بمناسبة صدور التقرير السنوي للمؤسسة. وكان من بين ما تم تناوله في ذلك اللقاء قطاع المصارف التجارية المرخص لها بالعمل في السوق السعودية البالغ عددها في نهاية العام الماضي 22 مصرفاً محلياً وأجنبياً, منها ستة لم تباشر عملها بعد, أبرزها مصرف "الإنماء " الذي توقع محافظ المؤسسة "أنه سيتأخر إلى الربع الأول من العام المقبل بسبب ندرة الموظفين المؤهلين, خصوصاً أن المنافسة تستقطب كل الكفاءات".
إن ندرة الكوادر المؤهلة ينبغي ألا تكون مفاجأة لمصرف الإنماء أو غيره من المصارف الجديدة. إذ منذ أن صدر أمر خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز في 27/2/2006م بتأسيس المصرف شركة مساهمة لمزاولة الأعمال المصرفية والاستثمارية برأسمال قدره 15 مليار ريال, لم تفتأ أقلام المراقبين التنبيه إلى أهمية تدريب أعداد كبيرة وتأهيلهم لسد حاجة المصرف دون التأثير في المصارف القائمة وأدائها. وكنت قد أشرت إلى ذلك ("الاقتصادية" بتاريخ 4/4/2006م ) داعياً إلى تصميم برنامج ابتعاث في أقرب وقت ممكن تتاح فيه فرص متساوية لجميع المواطنين.
ثم أعدت الكرة مرة أخرى ("الاقتصادية" بتاريخ 2/5/2006م), مشيراً إلى أسباب تدعو للحذر والتروي عند الحديث عن سقف التوقعات بالنسبة إلى أداء المصرف الجديد في مطلع نشأته "من تلك الأسباب قضية الإدارة, إذ من المرجح أن يجد مصرف الإنماء نفسه في مأزق أكثر مما تعانيه المصارف القائمة", فالكوادر الوطنية القيادية التي يتطلب إعدادها وصقلها سنوات طويلة من العمل المصرفي شحيحة, ما يجعل كل مصرف جديد قادم إلى السوق يخطب ودها على حساب استقرار العمل في تلك التي سبقته, ما يعني تدهور مستوى الخدمات التي تقدمها المصارف القائمة لعملائها, ولا سيما أصحاب الدخول المحدودة, دون استبعاد احتمال زيادة تكلفة تلك الخدمات.
بالطبع هناك جهود مستمرة تبذلها مؤسسة النقد العربي السعودي بالتعاون مع البنوك لتأهيل أعداد كبيرة من المصرفيين, إلا أنه يبدو أن تلك الجهود لم تعد تتناسب مع الاحتياجات الفعلية, إذ ورد على لسان مدير عام المعهد المصرفي (جريدة "الرياض" في 30/11/2006م) " أن عدد المصرفيين الذين يخضعون إلى عملية التأهيل في المعهد غير كاف لتغطية الطلب الحالي والمستقبلي في القطاع المصرفي السعودي" وإذا أضيفت إلى ذلك الطلب احتياجات شركات التأمين وشركات الوساطة المالية ندرك مدى العجز الذي ينبغي التعامل معه. فشركات التأمين وحدها تقدر احتياجاتها بنحو عشرة آلاف شخص, ناهيك عن شركات الوساطة المالية, المصارف الجديدة, والنمو المذهل في نشاط المصارف القائمة التي تحتضن في الوقت الراهن 30 ألف موظف تقريباً في كل المستويات. ووفقاً لمدير عام المعهد المصرفي سيشهد ذلك العدد من الموظفين معدل نمو يقارب 25 في المائة سنوياً, وهو معدل مرتفع بكل المقاييس.
إن أزمة الكوادر المؤهلة وندرتها في القطاع المصرفي والقطاعات المرتبطة به كالتأمين وسوق المال مرشحة للتفاقم إن لم تجد من يعالجها بعمل مؤسسي شامل خارج إطار الأدوات التقليدية. ولعل من سلبيات تلك الأزمة التأخر في توسعة قاعدة الخدمات المصرفية في المملكة، غياب شركات وساطة مالية مؤهلة في سوق هي الأكبر في الشرق الأوسط, احتكار نشاط التأمين في أيدي شركات معدودة, وتسلل عناصر ذات مؤهلات وخبرات متواضعة إلى مراكز قيادية في تلك المفاصل المهمة لاقتصاد المملكة وثرواتها.
إن تداعيات أزمة الكوادر المؤهلة في سوق المال بأوجهها المتعددة من مصارف, وساطة, وتأمين, لا ينبغي الاستخفاف أو الاستهانة بها, إذ ستشكل عقبة أمام نمو تلك القطاعات, كما أنها تؤدي إلى إحباط جهود المملكة في تحسين القدرة التنافسية لاقتصادها الوطني وسياساتها في جذب الاستثمارات الأجنبية. ومن المؤسف أننا لم نتحسب لتلك الأزمة في وقت مبكر بينما إرهاصاتها لم تكن خافية على العيان.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي