ما سر انخفاض مؤشر سوق الأسهم السعودية؟!
ما يحدث في أسواق الأسهم الخليجية من انهيارات غير طبيعية بات يحير كل الناس وبالذات أولئك المفكرون الذين تخصصوا في الأسواق المالية ودرسوا مناهجها وألغازها وقوانينها.
وفي المملكة الكل يجمع على أن ما يحدث في سوق الأسهم هو شيء محير، والكل يجمع على أن تذبذب مؤشرات الأسواق من الحالات الطبيعية في أي سوق في العالم، ولكن ـ مع ذلك ـ تبقى أسواق الخليج حالة خاصة جدا.
دعوني أقص عليكم ما حدث لي حينما حضرت إحدى ندوات الأسواق المالية التي عقدت في العاصمة البريطانية لندن في العام الماضي. في البداية طلبت من المحاضر أن يربط محاضرته بما يحدث في واقع أسواق منطقة الشرق الأوسط وبالذات أسواق منطقة الخليج العربية.
ولكن المحاضر لم يتركني أكمل سؤالي وقفز لسانه على مقدمة شفتيه وقال بسرعة: لا.. لا.. لا لا دخل لنا بأسواق الخليج، ولكني لم أصمت أنا أيضا طلع لساني من حلقي وقفز إلى مقدمة شفتي وقلت له بسرعة: إن اللاءات الثلاث التي نطقت بها تعطيني الحق في أن أؤكد ضرورة الربط بين النظرية والتطبيق.
وقلت له: إن حجم الأموال التي تتداول في أسواق الخليج يزيد على حجم الأموال التي تتداول في جميع أسواق الشرق الأوسط، بل تقترب من حجم الأموال التي تتداول في سوق البورصة في لندن، وأتصور أن أموالا بهذا الحجم جديرة أن نجعلها مجالا للتطبيق لنتعرف على ما سوف يحدث في المستقبل القريب والبعيد، وعندئذ سوف يكون لمحاضرتكم قيمة أكبر حينما تتموا تطبيقها بحرفية كبيرة على أسواق بهذا الثراء.
وصمت الرجل هنيهة ثم قال: ما يحدث في أسواق الخليج لا يساعد على التطبيق بل سوف يجعل تطبيق دراساتنا ضربا من ضروب المستحيل، لكن لا تستعجل الأمور فدعنا نحاول.
المهم انتهت الأيام ثلاثة من سلسلة المحاضرات ولم يقترب المحاضر من أسواق الخليج، وحينما هم باختتام محاضراته التفت إلي وقال: وهو يبتسم إن أسواق الخليج special case.
وهكذا خرجنا من الندوة بما قرأناه وعرفناه قبل الندوة، وهو أن التحليل الأساسي يقول إن زاد الدخل الوطني فإن الاقتصاد يدخل مرحلة الانتعاش، وإذا حدث الانتعاش في الأسواق فسوف يزداد الطلب على السلع والخدمات، وتزداد ـ بالتالي ـ أرباح الكثير من الشركات، وإذا حدث هذا فإن معدل الادخار يزداد وتزيد الاستثمارات، وينعكس هذا على تحقيق مزيد من الاستقرار السياسي، وأن كل ذلك سيدفع أسعار الأسهم إلى الارتفاع.
ولا يختلف اثنان على أن هذه المؤشرات تتحقق بصورة يومية في سوق الأسهم السعودية، ولكن المحير أن أسعار الأسهم تتجه نحو الانخفاض والناس يخسرون والمحافظ تنفض آخر هللاتها وتتحقق خسارات غير مبررة لشريحة كبيرة من المتداولين الأبرياء وبالذات صغار المستثمرين، أكثر من هذا فإن شركة سابك أعلنت قبل شهرين أنها حققت أرباحا مميزة، وفي اليوم التالي من الإعلان عن الأرباح أخذت أسعار أسهم "سابك" تنخفض بشكل يحير الجميع.
إذن السؤال: لماذا يسير مؤشر سوق الأسهم السعودية في الاتجاه المعاكس؟
هل هناك أسرار لا يعرفها إلا العارفون ببواطن الأمور؟ هل هناك تدليس ومؤامرات وهوامير كما تتداوله الإشاعات التي تتطاير فوق قبة أسواق الأسهم الخليجية؟
الإجابة الصريحة الواضحة هي أن من حق أي مواطن أن يبيع ويشتري وقتما يشاء ولا توجد أنظمة تمنع المواطن من البيع أو الشراء إلا إذا كانت هناك روائح كريهة ـ لا سمح الله ـ ولكن ما يحدث هو أن بعض أصحاب المليارات حولوا الأسواق الخليجية من أسواق استثمارية إلى أسواق مضاربة.
دعونا نأخذ مثالاً واحداً لنوضح الموقف، نفترض أن مجموعة من المستثمرين (كارتل) عقدوا فيما بينهم اتفاقاً سرياً، وحدودا ساعة الصفر، ثم دخلوا لشراء مجموعة من الأسهم بعينها بمليارات الريالات.
عندما يحدث هذا ماذا نتوقع في أسعار سوق الأسهم؟ بالتأكيد هنا الطلب بالمليارات ودفعة واحدة، يمثل طلباً هائلاً على الشراء، ولا شك أن هذا الطلب الهائل من الشراء يؤدي إلى زيادة مفاجئة في أسعار الأسهم. أما إذا حدث العكس ودخلت هذه المجموعة وعرضت بيع كمية كبيرة من الأسهم فإن الأسعار ستشهد انخفاضاً هائلاً لأن العرض يزيد على الطلب. هذه هي الصورة الواقعية لأسواق الأسهم الخليجية الآن.
ولا شك فإن من يدخل ويخرج بالمليارات لا بد أن يكون لديه فريق من الخبراء المهرة الذين يهندسون الصفقات حتى تعود بالأرباح على صاحب الشركة أو أصحاب الشركات، وهذا ما ينقص ملايين الأبرياء من صغار المستثمرين، وإذا سلمنا بأن أسواق الأسهم الخليجية تحولت من أسواق للمستثمرين إلى أسواق للمضاربة، فإننا نستطيع القول إنه لا توجد أسرار فيما يدور في أسواق الخليج، بل نستطيع القول إن كل شيء يتم في وضوح تام ولا توجد ألغاز ولا نظريات مؤامرة ولا يحدث شيء غير طبيعي بل ما يحدث هو الشيء الطبيعي لسوق لا يدخلها إلا المضاربون.
وبالنسبة لعلاقة ما يحدث في أسواق السعودية بالأسواق الخليجية فإن أبطال السوق السعودية هم الذين يمارسون أعمالهم في كل الأسواق الخليجية، ولذلك فإن نتائج ألعابهم نشاهدها في كل الأسواق الخليجية، ولكن حينما هموا بتخريب البورصة المصرية كما خربوا الأسواق الخليجية قامت السلطات المصرية بملاحقتهم ومطاردتهم حتى تم قطع أنفاسهم، وما نتمناه هو أن تطبق لائحة الحوكمة التي صدرت في الأسبوع قبل الماضي وأن تتحول من لائحة تطوعية إرشادية غير ملزمة إلى لائحة إجبارية ملزمة بقوة القانون، وأتمنى أكثر أن تصدر بقوة النظام المتوج بمرسوم ملكي ولا تصدر بضعف اللائحة المتوجة في قرار إداري خجول.