رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


السعودية تتدخل في العراق؟!

[email protected]

*من أغرب الأمور أن تسمع الدعوة إلى تدخل السعودية في الشأن العراقي مباشرة..
لا يمكن للسعودية من خلال التطلع السياسي والاستراتيجي السليمين أن تفكر في شن حرب عملية داخل العراق ومع أي كان. وقلنا في الحقيقة الثالثة عندما ترى مستنقعا كثير الكدر والهوام ويكون ماؤه الدم فإن البقاء خارجه لا يحتاج حتى أنملة تفكير، بل هنا تعمل آليا دوافع الغريزة: ضرورة البقاء. بل إن ضرورة البقاء ستحول بقوة الحياة ذاتها أن تغطس في المستنقع، بل تدعوك للنجاة نهائية في ردم المستنقع لا المشاركة بالسباحة فيه. والواقع العراقي مستنقع من الدم ولا مسلك مرئي لمياه نقية تصل إليه لتجدد دورة الحياة، وبالتالي فإن الإقدام على أي عمل داخل العراق مباشرة أو غير مباشرة لا يمكن أن يطرح كخيار أمام قيادة حصيفة وحكيمة.
ثم إن المملكة هي أكثر من يتضرر بأي حرب مباشرة أو غير مباشرة، قريبة أو بعيدة، ولقد جربنا الحرب، أو قل جربنا ما قبل الحرب، ودفعنا ثمنا غاليا من أموالنا حتى نشفت جلودنا لسنوات، وانشقت صدوع غائرة في جدارنا الوطني والاجتماعي ما زلنا كل يوم ندفع ثمنه. ووصمنا رغم ما قامت به الدولة من مؤازرة واضحة للقوات الدولية أثناء غزو الكويت، وكل ما عملته من إجراءات للحد من الإرهاب، حتى جمعياتنا الخيرية راقبناها وعطلناها، ومع ذلك افتح أي صحيفة غربية – على الأقل- وستجد أن السعودي فيها إرهابي أو أنه مؤازر وداعم للإرهاب، أو مشروع جاهز لكليهما. إن أي استدعاء لخواطر الحرب، أو إشعال فتيل حرب، أو المساعدة في نفخ حبة هواء واحدة في جمرة تتلوى تريد النار، هي أبعد ما تكون عن واقع الحال عند صاحب القرار السعودي، وهذا ثابت تاريخا وحاضرا إلى اليوم.
وتعلم السعودية، ويعلم العالم، أنك حين تخوض حربا مع جهة فيجب أن تعرف الجهة التي تقف معها على التحديد وفي أبعد تفصيل حتى تقف معها وقفة الواثق، وأن تكون هذه الفئة صاحبة قراراها، ولها قائد يكون صاحب القرار بلا منازع واحد، خصوصا في أوقات الحروب عندما تكون القيادة الصارمة والجامعة هي كل شيء.. فهل هذا موجود في المشهد العراقي، وعند أي فصيل أو قطاع؟ لا. في الساحة العراقية لا تنمو إلا شجرة خبيثة واحدة تتفرع بغصونها السوداء وأوراقها المسمومة وهي شجرة الاختلاف. خذ القطاع الشيعي: هل يقف واحدا متماسكا صلبا؟ لا، هناك أكثر من جبهة، وأكثر من خلاف ابتداء من المرجعية حتى قادة الميليشيات، وصانعي التأثير المدني.. من يقف مع الشيعة كاملا في العراق لن يستطيع إلا مع جبهة من الجبهات وهي مغامرة دولية تدخل بها الدول التي لو سارت الأمور في مجراها الخاطئ فعلى الأسلم هي بعيدة عن ألسنة اللهب.. أين هذه الدولة؟
وكذلك لو فرضنا أن السعودية ستدخل ميدانيا أو لوجستيا أو ماليا مع الكتلة السنية في العراق، فضع إصبعك على كتلة متحدة تمثل كل سنة العراق.. هل تستطيع؟ إن استطعت، فواحد منا يجب أن يخرج من الإطار الواقعي المنطقي للمراقبة أنت أو أنا. وبالتالي، كيف يمكن للسعودية وهي التي تعلم مدى التشظي في كل الكتل العراقية ليس الشيعة والسنة، حتى أكراد الشمال بينهم ما بينهم من اختلافات تصل حد الرماح. يا رجل هناك خلاف بين كتل إثنية لا ترى إلا بالمجهر في العراق. إذن، حتى لو أردت وكان لمصلحتك أو لمصلحة العراق أن تقف مع جبهة بعينها فلن تستطيع، وبالتالي ستغلق ملفا لا يمكن لراشد أن يفتحه.
إن السعودية تعرف تاريخ الحروب، بأنه من السهل البدء في الحرب، ومن المستحيل إنهاؤها، أو التحكم في إنهائها، ناهيك عن تشظيها واتساعها وأثرها حتى بعد أن تضع أوزارها على الأزمان التي بعدها. ودولة كارهة للحروب مثل السعودية لأسباب من ضرورات البقاء، هل تدخل مغامرة لا تحبها في الأصل، ثم تصر عليها وهي تعلم أنها رمت نفسها في هوة جهنمية لا تدري حتى سحق عمقها؟ إن مجرد التفكير مضيعة لخلايا تحتاج إليها في دماغك للتفكير في أمور أجدى.
وحتى لو صار هناك وباء عام من انعدام البصيرة، ألا نستيقظ أمام تجارب حية أمامنا حتى ولو كانت مصغرة؟.. أنظر ما الذي يحدث في لبنان، إن العراق تنجرف إلى حرب أهلية بسبب تدخلات دولية وأطماع كبرى، ولكن في لبنان الصغير ما الداعي؟ إلا أن أي دولة هي عبارة عن تركيبات اجتماعية متشابكة وتسند نفسها، خذ قطعة واحدة فيتداعى باقي البناء.. هذا ما حدث في لبنان عندما يؤدي العبث في الخارج إلى إشعال عبث أعظم في الداخل.. والسعودية تعلم تركيبتها الاجتماعية ولا يمكن أن تسمح لقطعة واحدة أن تتخلخل داخل البناء!

الحل: ردم المستنقع.. أو البعد عنه!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي