رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


تحديات اقتصادية وسياسية تواجه دول المجلس

[email protected]

يأتي لقاء قادة دول مجلس التعاون الخليجي اليوم في الرياض في وقت تزداد فيه التحديات السياسية والأمنية التي تواجه دول المجلس، فضلا عن التحديات الاقتصادية. مضى على إنشاء هذا المجلس أكثر من ربع قرن، فقد أنشأ في بداية الثمانينيات من القرن العشرين مع بداية الحرب العراقية الإيرانية. وكان اهتمام المجلس حينها منصبا على القضايا العسكرية والأمنية التي أفرزتها هذه الحرب أكثر من المسائل الاقتصادية. وبعد انتهاء الحرب الإيرانية ـ العراقية، التي سميت فيما بعد بحرب الخليج الأولى، جاءت الحرب الثانية بغزو صدام حسين الكويت ليقع في غلطة عمره الكبرى والأخيرة، فقد ترتب على مغامرته الطائشة آثار سيئة لا يزال العرب يعانونها حتى الآن، ليس أقلها ما سببته من هدر للموارد وتمزيق للصف العربي.
وعلى أثر تحرير الكويت بدأت العلاقات الخليجية ـ الإيرانية في التحسن الحذر. لكن غزو الولايات المتحدة وأعوانها العراق – التي عرفت بحرب الخليج الثالثة – وما آلت إليه الأوضاع في العراق، بجانب التدخل الإيراني الواضح في دعم فصائل وجماعات ومرجعيات شيعية في العراق بالمال والسلاح، فضلا عن برنامجها النووي، كل ذلك أعاد إلى دائرة الاهتمام المخاوف الخليجية من خطر تنامي الدور الإيراني في المنطقة بما فيه توسع نفوذها في لبنان. وهكذا عدنا كما بدأنا، لتأخذ المخاطر الأمنية والعسكرية أولويتها في أجندة مجلس التعاون الخليجي.
إن المطامع الخارجية أضحت جلية وغير خافية سواء من خلال ما ينفلت من أقوال ساستها وكهنتها أو ما يجري منهم على أرض الواقع أو كيلهم بمكيالين فيما يمارسونه في المحافل الدولية. فهذه القوى تريد تنفيذ أجندتها بإحكام سيطرتها على المنطقة، لاستغلال مواردها وتعطيل حركة التنمية فيها، عن طريق جر المنطقة كل بضع سنوات إلى حروب إقليمية تستنزف قدراتها وتعطل طاقاتها وتضعف كياناتها.
والتاريخ يخبرنا بأن هذا العدو المتربص بنا ليس له أصدقاء دائمون ولا تحالفات ثابتة، وإنما مصالح دائمة. لذلك فإن الحكمة تقتضي أن يجتمع أهل الحل والعقد والحكمة والرأي في منطقتنا، ويجمعوا أمرهم ويوحدوا جهودهم، ويبلوروا استراتيجية شاملة تبنى على أسس علمية من خلال قراءة واعية للمشهد العالمي كما هو قائم، يحددوا فيها دائرة الصراع والأعداء الحقيقيين المحتملين، ويسموا على المنافسات والخلافات المحلية والإقليمية، حتى لا تتبدد الطاقات والجهود والموارد في معارك ثانوية وأن نبدأ في بناء قوتنا الذاتية ونتصالح مع شعوبنا، وأن ندرك أن ما يجب أن نقوم به لا يمكن لأحد غيرنا القيام به نيابة عنا.
أما في الجانب الاقتصادي، فإن الطريق ما زال طويلا أمام دول مجلس التعاون لتحقيق قدر من التكامل الاقتصادي الذي يمكن أن يقود في يوم ما إلى وحدة اقتصادية. فقد جاء اختراق الطرف الأمريكي صفوف دول المجلس، وتسرع بعض صغار أعضائه في توقيع اتفاقيات مناطق تجارة حرة منفردة مع الولايات المتحدة معطلا ومخترقا لفكرة الاتحاد الجمركي الخليجي المنتظر، في حين أن دول المجلس كانت قد نجحت في الدخول في مفاوضات جماعية مع الاتحاد الأوروبي.
وقد حذرت فعاليات خليجية بارزة، في ندوة عقدت في دبي في شهر رمضان الماضي، من الآثار السلبية المحتملة لهذه الاتفاقيات في اقتصادات المنطقة، منتقدة بشدة استبعاد النفط ومشتقاته التي تمثل أهم الصادرات التنافسية الخليجية، وكذلك استبعاد الصناعات المعتمدة على الطاقة، مثل صناعة الألمنيوم، من مفاوضات التجارة الحرة مع الولايات المتحدة. صحيح أن الآراء في تلك الندوة انقسمت حول إيجابيات وسلبيات إقامة مناطق للتجارة الحرة مع الولايات المتحدة، لكنها أجمعت على سلبيات المفاوضات الثنائية. لذلك طالب العديد من المراقبين الخليجيين بإعداد فريق مفاوض على قدر كبير من الاحتراف والمهنية يتكون من الخبرات الخليجية الشابة، التي تلقت تعليمها في الجامعات الأمريكية وعلى دراية بالعقلية الأمريكية، بالاشتراك مع عدد من رجال الأعمال من ذوي الخبرة الواسعة للمشاركة في هذه المفاوضات وتعديلها، خاصة أن عدة دول، منها الهند والبرازيل، تصر على إدخال منتجاتها الاستراتيجية، كالمنتجات الزراعية، في مفاوضاتها الدولية لأنها أساس اقتصاداتها. ومن حسن الحظ أن جاءت «الصفعة الأمريكية» تجاه صفقة «بي أند أو»، سبباً في تراجع هرولة البعض نحو عقد اتفاقات تجارة حرة ثنائية، التي كانت سمة هذه المفاوضات في البداية.
إن ما يجمع دول المجلس من مصالح ويواجهها من مخاطر، يدعوها أكثر لتقوية الروابط بينها. وإن خير سبيل لذلك هو ربط مصالح أبناء هذه الدول ومؤسساتها بعضها مع بعض، ليكتسب هذا المجلس قوة شعبية عملية "براجماتية" منافحة عنه، وتعضد الجهود الرسمية التي تعمل على تدعيم هذا الكيان وضمان بقائه واستمراره.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي