حدث في بكين
الاجتماع الذي نظمته واستضافته العاصمة الصينية بكين منتصف هذا الشهر لكبار مستهلكي النفط، يشكل تحولا جديرا بالمتابعة والاهتمام كونه يرسل مؤشرا على رغبة متنامية من قبل العملاق الصيني لعب دور أكبر على الساحة الدولية وفي ملف حساس من ملفاتها، ذلك المتعلق بقضايا الطاقة.
وتزداد أهمية هذه النقطة كون اللقاء الذي شمل الوزراء المسؤولين عن الطاقة في كل من الولايات المتحدة، اليابان، كوريا الجنوبية، والهند إضافة إلى الدولة المضيفة وهي الصين، يأتي بعد شهر من القمة الصينية الإفريقية التي استضافتها العاصمة بكين ذاتها لتمتين شراكتها مع القارة السوداء، التي توفر للصين ثلث احتياجاتها من النفط.
على أن الأهم من ذلك أن اللقاء يعتبر الأول من نوعه بهذه الصيغة والكيفية، ففكرة تجمع المستهلكين ليست جديدة، وكانت من النتائج المباشرة للصدمة النفطية الأولى في عقد السبعينيات، خاصة مع بعدها المثير للاهتمام والنقاش المتمثل في الحظر العربي النفطي. ففي مواجهة ذلك الحظر الذي طال الولايات المتحدة وهولندا لدورهما المباشر في دعم إسرائيل إبان حرب 1973 وخفض الإنتاج عموما، فإن وزير الخارجية الأمريكي وقتها هنري كيسنجر جاء بفكرة تشكيل تجمع لمستهلكي النفط هو الوكالة الدولية للطاقة التي تضم 26 دولة من المستهلكين الرئيسيين من الأعضاء في نادي الدول الصناعية الغنية، وذلك لتنسيق سياسات تلك الدول حال تعرضها مجموعة أو منفردة إلى حظر نفطي أو حدوث شح في الإمدادات، ووضعت الوكالة سياسات تخص الاحتياطي النفطي الاستراتيجي لكل دولة حددته بداية بـ 60 يوما، رفعت فيما بعد إلى 90 يوما، لصافي الواردات، كما وضعت خططا أخرى لتقاسم الإمدادات.
على أن الأهم من هذا أن الوكالة في التخطيط الأولي لها أقيمت لتكون مقابلا لمنظمة الأقطار المصدرة للنفط "أوبك"، مع بعض الأهداف التي يصرح بها أحيانا علانية ويهمس بها أحيانا أخرى، مثل تقليل استهلاك النفط ما أمكن، والتركيز على تقليل الشراء من الدول الأعضاء في "أوبك"، وأكثر من هذا تقليل الشراء من الأعضاء العرب في المنظمة.
نتائج هذه السياسة بعد ثلاثة عقود من الزمان فيما يخص الساحة الأمريكية تحديدا تنبئ بفشل كبير تشير إليه أرقام الاعتماد على النفط الأجنبي المتزايدة لتلبية احتياجات السوق المحلية الأمريكية.
الخطوة الصينية تختلف من حيث الشكل أنها اقتصرت على خمس دول فقط تشكل كبار المستهلكين، الذين يستوعبون قرابة نصف الإنتاج العالمي اليومي من النفط، كما أنها تتجنب عنصر المواجهة، بل إنها والهند المتهمتين أنهما وراء الارتفاع الكبير في معدلات الطلب على النفط خلال السنوات القليلة الماضية، لم تشغلا نفسيهما بالأوضاع السياسية والحروب الأهلية في العديد من البلاد التي تستثمران فيها.
وفي الوقت الذي تتبنى فيه الدول الثلاث الأخرى فكرة الاعتماد على آلية السوق الحرة لتحديد الأسعار، والسعي ما أمكن لإزالة الحواجز الحقيقية والمصطنعة أمام تدفق الإمدادات النفطية إلى الأسواق، فإن كلا من الصين والهند تتبعان استراتيجية هجومية تتمثل في السعي إلى تأمين احتياجاتهما من خلال السيطرة على حصص في شركات منتجة في الدول ذات الاحتياطيات. وهذه الخطوة تجاوزت مساعدة بعض المنتجين الجدد على دخول نادي المصدرين بتوفير التقنية ورأس المال اللازم توفرهما، إلى الدخول في شراكات مع منتجين قدامى أعضاء في أوبك.
على أن الأهم من هذا كله أن هذا التجمع يوفر فرصة، يمكن إذا أحسن استغلالها، أن تصبح إحدى الوسائل في السعي إلى تحقيق استقرار في السوق النفطية. فهناك حصر للدول الرئيسية المستهلكة للنفط، ويمكن بشيء من الحوار الممتد توحيد الرؤية، خاصة والكل يتحدث عن رغبته في تأمين الإمدادات وتهيئة البيئة الاستثمارية والقانونية الملائمة للصناعة النفطية. ثم إن كلا من الهند والصين تتمتعان بوضعية مقاربة لما هو موجود لدى المنتجين، خاصة الدول الأعضاء في "أوبك"، وهو ما يتمثل في وجود مجموعة من الشركات الحكومية التي تدير الصناعة النفطية في بلديهما ببعديها الداخلي والخارجي. وهذه الشركات مثلها مثل الشركات الوطنية لدى المنتجين أقرب إلى فهم الذهنية الحكومية، كما أن قدمها الأخرى مع الشركات النفطية الكبيرة، الأمر الذي يمكن أن يوفر جسرا للتفاهم بعيدا عن عقلية المجابهات.
وإذا كان المنتجون يرغبون دائما وأبدا في الحصول على سعر مجز من عائد البرميل الذي يبيعونه، فإن المستهلك يرغب في الحصول على البرميل ذاته وبسعر معقول. وإذا كان المنتج يرغب في معرفة إلى أي مدى يمكن للطلب أن يستمر وحاجة السوق إلى النفط خلال عقد من الزمان مثلا، وذلك حتى يخطط لرفع الطاقة الإنتاجية، فإن المستهلك يرغب كذلك في تأمين الإمدادات ومعرفة ما سيدفعه لذلك الغرض. وهذا مجال لا يمكن لطرف أن يفتي فيه في غياب طرف آخر، كما أن المواجهات وتجاهل الطرف الآخر لن تؤدي إلا إلى إثارة القلاقل في السوق كما اتضح من سجل العقود الماضية.
والحل في نشر ثقافة الحوار وأن يوضع في الاعتبار هموم الطرف الآخر واهتماماته.