رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الإصلاح قدر الأمة المنتظر

[email protected]

ما من مجتمع على وجه البسيطة إلا وتعرض لتغيرات وتحولات عبر مسيرته التاريخية، هذه التحولات منها ما هو مقبول، ومحبب للنفس، ومفيد لحياة الناس، ومنها ما هو مضر، ومدمر لحياتهم، ومؤثر في علاقاتهم، ومحدث للاضطراب فيها.
هذه التحولات قد تكون مقصودة ومخطط لها وسعى أبناء المجتمع لتحقيقها، أو قد تكون رغم إرادتهم ومضرة بمصلحتهم لكنهم ابتلوا بهذه التغيرات والتحولات وليس لديهم القدرة على مواجهتها والتصدي لها.
وعندما يكون التغيير أو الإصلاح مطلباً اجتماعياً ينادي عليه الجميع ويسعون لتحقيقه ويتفقون على آليات وأطر تحقيقه يكون ذلك أجدى وأنجع وأكثر فائدة على كافة الأصعدة، مما لو حدث التغيير أو الإصلاح بصورة قسرية وخارج إرادة الجميع.
ونظراً لما تعرضت له الأمة العربية والإسلامية من محن ورزايا ونكبات تداعى المفكرون والسياسيون والمثقفون يشخصون ويستكشفون محاولين معرفة العلة أو العلل التي تكمن وراء هذا الخلل الذي أصاب الأمة وأعاقها عن الحراك الطبيعي المأمول منها حتى أنها أخذت مقعداً خلفياً في قطار النمو والتطور العالمي بدلاً من الجلوس على مقعد القيادة والريادة. وتتفق التحليلات والكتابات المتخصصة والعامة وكذا تقارير المؤسسات الدولية على أن العالم العربي والإسلامي بحاجة لإصلاح كبير يأخذ الاعتبار فيه لمجالات متعددة، وغير مقتصرة على مجال بعينه، كما أن الإصلاح المنشود لا يكون وقتياً كما هو حال الأدوية المهدئة التي ينتهي مفعولها سريعاً ومن ثم يعود الألم إلى وضعه السابق. إن مراجعة المجتمعات واقعها وتقييم الواقع بصورة موضوعية غير متحيزة، تكشف الجوانب الإيجابية والجوانب السلبية، أمر درجت عليه الكثير من المجتمعات التي تنشد العزة والقوة والمنعة، أما المجتمعات الأخرى فإنها تكتفي بكيل المديح والثناء للوضع القائم وتصويره بالمثالي الذي لا ترقى لمثاليته المجتمعات الأخرى، وقد تكون إشكالية هذه المجتمعات التي تفضل المديح والثناء على المراجعة الموضوعية والوقوف مع الذات ومصارحتها إشكالية ثقافية كرست وغرست في النفوس حتى أصبحت كلمة إصلاح كلمة منفره وغير مرغوب فيها. ومن يحاربون استخدام المصطلح أو يرفضون المناداة بالإصلاح يربطون خطأ بين الإصلاح والفساد، فحسب رأيهم لا يكون إصلاح إلا لشيء فاسد وهذا غير صحيح فالإصلاح يعني تطوير ما هو قائم ليكون بوضع أفضل مما هو عليه، وكي يستعيد المجتمع عافيته وقوته ومتانته.
المتأمل في واقع العالم العربي والإسلامي يتساءل بحيرة حول أولويات الإصلاح في هذه المجتمعات. من أين نبدأ؟ وهل يوجد لدينا خريطة أولويات نسير وفقها ونطبقها؟ أم أننا ننتقي بين المجالات المتعددة ونصلح فيها حسب ما نستطيع وحسبما تسمح به الظروف التي قد تكون متوهمة أحياناً وغير محددة.
لو قدر وسئلت عن مجالات الإصلاح في العالم العربي والإسلامي لقلت بناءً على ما أراه في الواقع وتؤكده الأحداث والوقائع اليومية التي تمر بها الأمة، إن الإصلاح كي يكون ناجحا ًومفيداً لمصلحة الأمة الحالية والمستقبلية، لا بد من أن يكون شاملاً ويتناول كافة المجالات وهي: المجال السياسي، المجال الاقتصادي والمالي، المجال الاجتماعي، المجال الثقافي والمعرفي، والمجال الإداري والتنظيمي. الإصلاح في المجال السياسي يمثل قطب الرحى في أي إصلاح وفي كافة المجالات والسبب في ذلك يعود إلى أن المؤسسة السياسية غالباً ما تمسك بأمور عدة تؤثر في مجالات متنوعة ذات مساس وتأثير في حياة المجتمع، وفي اعتقادي أن الإصلاح في المجال السياسي يقوم على ركيزتين أساسيتين أولاهما منظومة القيم التي لا بد من الأخذ بها مجتمعاً وأفراداً وأول هذه القيم، قيمة الشفافية والمصارحة، إذ لا يمكن أن يتحقق إصلاح دون الشفافية والمصارحة بين أبناء المجتمع الواحد القياديون وذوو الرأي المهتمون بالشأن العام، أما القيمة الثانية فهي قيمة المرونة وعدم التصلب، ويضاف للقيم السابقة قيمة قبول الرأي الآخر وعدم الاستبعاد أو الاستثناء، أما القيمة الرابعة فهي خاصية المشاركة وعدم الاستئثار بالسلطة المتأثر بالجشع والأنانية القاتلة، ويضاف أيضاً قيمة الانتماء الحقيقي وليس الصوري، الانتماء يكون فيه للفرد موقع يتحرك من خلاله ويخدم وطنه ويعطي ويأخذ بناءً على هذه القيمة.
أما الركيزة الثانية من ركائز الإصلاح السياسي فهي توافر الآليات التي من خلالها تتحقق الممارسة السياسية السليمة وأولى لبنات هذه الركيزة الحوار الذي يتبادل فيه أبناء المجتمع الواحد الآراء والأفكار تحت سقف واحد وليس من أجل تخطئة بعضهم بعضا بل من أجل تشخيص الواقع وبيان ما فيه من إيجابيات وسلبيات، وكما يقال يتم الحوار بروح رياضية، يخرج فيه الجميع من مكان الحوار وهم راضون ومتقبلون لما انتهى إليه الغالبية دون تشنج أو رفض وتناطح وتنابز بالألقاب، على أن يكون الحوار وفق أسس ومتطلبات ومعايير تأخذ في اعتبارها الثوابت الاجتماعية، كما أن تنوع قنوات الحوار تضفي قيمة للحوار أكثر من حصره في مجال أو تحت قبة واحدة.
أما اللبنة الثانية في الآليات فهي آلية اتخاذ القرار، وكما هو معلوم، فالقرار في العالم العربي والإسلامي يأخذ في الغالب صورة مركزية يتفرد بها فرد أو مجموعة صغيرة أو مؤسسة مجلس الوزراء وفي هذا إضرار بالمصلحة العامة، خاصة عندما تكون المواضيع التي يتخذ بشأنها القرار مصيرية وحاسمة وذات قيمة استراتيجية. وأحسب أن عرض القرار المراد اتخاذه على أكثر من جهة ومناقشته باستفاضة وتوسع وعمق في الوقت ذاته سيجعل منه قراراً صائباً ويخدم المصلحة العامة ولا يلام عليه أحد فيما لو حدث وكان غير صائب. أتذكر في الثمانينيات الميلادية حينما كنت طالباً في الولايات المتحدة الأمريكية أن صفقة طائرات الأواكس والأسلحة المرافقة لها حدث حولها عراك شديد داخل مؤسسات اتخاذ القرار في الولايات المتحدة الأمريكية، والجميع يعلم أن البيت الأبيض ممثلاً في رئيس الدولة ووزرائه لا يتخذون القرارات إلا بعد موافقة الكونجرس عليها من أجل إصدارها كقانون يبني في ضوئه الرئيس القرار الذي يراد اتخاذه في أي مجال من المجالات، سواء لبيع سلاح، أو شن حرب، أو تغيير في علاقة مع إحدى الدول، أو إبرام اتفاقية من الاتفاقيات. وفي هذا المثل إبراز لممارسة حضارية تجعل القرار في دائرة أوسع بدلاً من حصره في نطاق ضيق مما يفقده النضج وعدم المساندة الاجتماعية، فهل يا ترى نعي هذه الفوائد ونسأل أنفسنا: ما الذي حققته الأمة في مشوار الإصلاح السياسي؟!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي