رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الإدارة المحلية وغياب القرار المحلي (1 من 2)

تلقيت في الأسبوع الماضي دعوة من جامعة الأمير سلطان في الرياض للمشاركة في ندوة "الإدارة المحلية" وورش العمل المصاحبة لها. وتأتي الندوة منسجمة مع تزايد أهمية الحاجة إلى النظر في الشؤون المحلية وكيفية تنمية المدن ورعاية مصالح سكانها ومواجهة الطلب المتزايد على الخدمات العامة كماً ونوعاً، وتطبيق التنظيم الإداري والسياسي الذي يحقق ذلك كله ويسهم في الوصول إلى قرارات عامة محلية ذات كفاية وفاعلية اقتصادية. ونؤكد هنا أن الفاعلية لا تعني فقط إلى أي مدى تم تحقيق الهدف، ولكن هل الهدف الذي نسعى إلى تحقيقه في الأصل ذو قيمة اقتصادية ويحتل أولوية اجتماعية؟
من هنا كان من الضروري مراجعة إجراءات كيفية اتخاذ القرار العام ليس داخل البيروقراطيات (الوزارات) فحسب ولكن التنظيم الذي يتيح اتخاذ القرار ذي الشأن المحلي محلياً وليس مركزياً، إضافة إلى الرقابة السياسية المحلية على هذه البيروقراطيات (الإدارات وفروع الوزارات). لذلك لا يكفي الحديث عن اللامركزية في ظل إطار التنظيم البيروقراطي بحيث تفوض فروع الوزارات والإدارات الحكومية صلاحيات أكبر، بل يلزم أن يكون هناك نقل للسلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية للمحليات في حدود ما يلزمها لإدارة شؤونها. وهذا يستلزم تحديد صلاحيات وأدوار وكذلك النطاق الجغرافي للوحدة المحلية وكيفية إنشاء وحدات جديدة ضمن القانون العام للدولة. وبذلك تتحول المدن والمحليات من مستقرات سكنية عمرانية إلى وحدات سياسية ترعى مصالح سكانها وفي الوقت ذاته تكون مسؤولة لدى الحكومة المركزية. وفي هذا السياق يلزم تأكيد أن الإدارة المحلية بمعناها الضيق تعني السلطة التنفيذية في الحكومة المحلية ويقابلها المجلس البلدي الذي يمثل السلطة التشريعية المحلية. وهي بذلك أي الإدارة المحلية تكون تحت إرادة المجلس البلدي تنفذ سياساته وتشريعاته وتكون مسؤولة أمامه. ومع اختلاف مفهوم ودور وصلاحيات الإدارة المحلية في كل نظام سياسي، إلا أنه من المتفق عليه هو تحقيق درجة عالية من التمثيل الشعبي والاستجابة للرأي العام في عملية صنع القرار المحلي.
التوجه نحو اللامركزية أو التخفيف منها من شأنه جعل سكان المدن يتحملون مسؤولية القرار العام الخاص بهم والبحث عن أفضل السبل لتلبية احتياجاتهم ومصالحهم العامة. وبذلك ينزاح عن كاهل الحكومة المركزية مسؤولية وصعوبة تلبية الخدمات المحلية التي تختلف من مدينة لأخرى.
وهنا يجب أن نلحظ أن تدرج سلطات الهرم المكاني للدولة يلزم أن يعكس التدرج الهرمي للخدمات العامة. فهناك خدمات يلزم تقديمها على مستوى الدولة مثل حماية الوطن أو مواجهة مرض وبائي مثل إنفلونزا الطيور. فيم نجد أن هناك خدمات مثل مكافحة التلوث البيئي والتخطيط لتنمية الإقليم يكون على مستوى المنطقة. بينما تكون خدمات تجميل المدينة وتخطيطها وجمع النفايات وصيانة الشوارع من اهتمامات إدارة المدينة. وقد يكون هناك تداخل بين ما تقدمه الدولة على المستوى الوطني والمستوى الإقليمي والمستوى المحلي تفرضها طبيعة بعض هذه الخدمات والظروف المالية والإدارية. فعلى سبيل المثال، الطرق التي تصل المدن مع بعضها بعضا تأخذ اهتمام المسؤولين المحليين وكذلك الإدارات الإقليمية وهي بطبيعة الحال ضمن برنامج الخطط التنموية للدولة.إلا أن ذلك لا يلغي وجود موضوعات خاصة بالإدارة المحلية وتلك التي تقع ضمن صلاحيات الإدارة الإقليمية.
إن مفهوم المحلية يعني أخذ الرأي العام المحلي في الحسبان واتخاذ القرار محليا فيما يخص المواضيع المحلية. يؤكد ذلك طبيعة وظيفة إدارة المدن في تقديم الخدمات العامة، ما يحتم تحديد الأولويات بناء على التوجه العام لاحتياجات السكان المحليين (سكان المدينة) وليس على أسس إدارية فنية (بيروقراطية).
وقد أدركت الحكومة السعودية ضرورة التقليل من المركزية والتوجه أكثر نحو اللامركزية وعملت على ذلك من خلال إصدار نظام البلديات والقرى لعام 1397هـ ونظام المناطق لعام 1412هـ. ويعد هذان النظامان المرتكز الأساسي للإدارة المحلية في المملكة. فالأول يمثل التقسيم البلدي والقروي والثاني يمثل التقسيم الإداري/السياسي، ولكن يبقى نظام المناطق النظام الأشمل والأعلى والأساس في التنظيم المحلي على الأقل من الناحية النظرية. إذ إنه وحتى الوقت الحاضر ليس هناك تنظيم موحد بين الوزارات والهيئات الحكومية في توزيع وإدارة فروعها في المناطق والمحافظات والمراكز. إلا أن العمل جار على أن تأخذ الوزارات بتقسيمات نظام المناطق الذي قسم المملكة إلى 13 منطقة تتكون كل منطقة إدارياً من عدد من المحافظات فئة (أ) وفئة(ب)، والمراكز فئة (أ) وفئة (ب).
وعلى أن نظام المناطق أصدر لتنظيم الإدارة المحلية إلا أن تفعيله كان لصالح المناطق أكثر منه للوحدات المحلية في المستويات الأدنى مثل المحافظات والمراكز. وما يهم في هذا الصدد هو أن المحافظات والمراكز ليس لديها استقلال إداري ومالي، بل تعتبر فروعا لإمارة المنطقة.
إن تفعيل نظام البلديات والقرى لعام 1397هـ فيم يخص تشكيل المجالس البلدية وتحديد عدد أعضائها من 4 ـ 24 عضوا حسب حجم البلدية ودرجة تصنيفها وطبيعة أعمالها ونشاطها، بحيث ينتخب نصف أعضاء المجالس ويعين النصف الآخر، يعتبر تحولا نحو التخفيف من المركزية. وأقول تخفيفا لأن المجالس البلدية مجالس استشارية وليست تشريعية ذات صلاحيات نافذة. إضافة إلى أن حدود المدن والقرى ليست محددة وموثقة قانونيا.
عليه جاءت تقسيمات البلديات استناداً إلى معايير فنية/إدارية أهمها عدد وكثافة سكان ومساحة (النطاق العمراني) الوحدة المحلية. قد يكون النسيج والتواصل العمراني هو المعيار الأساس الذي يميز مدينة عن أخرى دون الالتفات إلى النسق الاجتماعي والتركيبة السكانية وتباين الاحتياجات بين سكان المدن وقدرة أجهزتها الإدارية على تقديم الخدمات العامة بفاعلية وبأقل تكلفة ممكنة.
إن ما نحتاج إليه في الوقت الحاضر هو تفعيل المجالس البلدية كجهة تنظيمية محلية واحدة تصوغ التنظيمات وتصادق على المخططات والميزانيات المحلية وتراقب تنفيذ المشاريع والخدمات المقرة ليس كجهة استشارية منزوعة الصلاحيات بل جهة تمتلك سلطة التشريع والتوجيه والمحاسبة. بل ما يُطمح إليه هو أن تكون جميع الخدمات العامة وليست البلدية فقط ضمن مسؤولية المجالس البلدية، وبذلك يكون لدينا إدارة للمدن تتخذ قراراً محليا مبنيا على توجهات واحتياجات محلية ومرجعية واحدة محلية لاتخاذ القرارات المحلية.
إن إدارة المدن من أهم الموضوعات التي تستلزم علينا طرحها ومناقشتها وتحليلها بشكل جاد ونحن نسير في نهج اللامركزية السياسية والعمل على استقلالية القرار المحلي التي من أهم مظاهرها الانتخابات البلدية. كما أن تنامي دور المدن في التنمية الاقتصادية وما تمثله من ثقل سياسي وثقافي أبرزته المتغيرات المحلية والدولية يشكل تحديا كبيرا في استيعابه واحتوائه حتى لا تصبح المدن بؤرة مشاكل لا نستطيع السيطرة عليها والتعامل معها. إن المشكلة التي تعاني منها المدن تنبع من عدم وجود هيئة واحدة مسؤولة عن إدارتها وصنع سياساتها المحلية . فالوضع الراهن يعتمد على تقديم الخدمات في المدن من خلال فروع الوزارات التي تصدر قراراتها مركزيا وتنفذ محليا. قرارات تعتمد على الإجراءات الإدارية الداخلية لهذه الإدارات (البيروقراطية) دون أن يكون هناك هيئة محلية مسؤولة تعكس وجهة نظر السكان حيال ما يقدم من خدمات كما ونوعا وتتابع تنفيذها وأهم من ذلك كيف يرغبون أن تكون عليه مدينتهم. هذا الوضع أدى إلى وجود مشاكل تتعلق بنمو المدن وزيادة الكثافة السكانية وارتفاع معدل الجريمة والتلوث البيئي والزحام وغياب سياسات التنمية المحلية.
إن ما علينا إدراكه في هذه المرحلة أن سكان المدن يجب أن يأخذوا حظهم من تحمل مسؤولية اتخاذ القرارات التي تخصهم والعمل على تنفيذها وتحمل نتائجها, كل ذلك في إطار نظام يرتكز على الشفافية والمحاسبة. من أجل ذلك يلزم النظر إلى المدن كوحدات سياسية لها نطاق جغرافي محدد يعيش داخلها سكان تجمعهم مصلحة مشتركة تدير وترعى هذه المصلحة هيئة محلية. وبذلك يخفف الحمل عن كاهل الوزارات والإدارات المركزية لتتفرغ لوظيفتها الأساسية وهي رسم السياسات والاستراتيجيات ووضع الخطط وتنفيذ المشاريع الوطنية. ما يجب التنبيه إليه مرة أخرى هو ضرورة عدم الخلط بين المستوى المحلي والمستوى الإقليمي خشية أن تتخذ بعض القرارات المحلية من قبل الجهات الإقليمية، فهناك اعتقاد خاطئ بأن مجالس المناطق مجالس محلية بينما هي في واقع الحال (وكما أوضحنا آنفا) مجالس إقليمية تهتم بالموضوعات والمشاكل على مستوى الإقليم وليس على مستوى المدن. ومع ذلك فإن مجالس المناطق تفتقر إلى التمثيل الشعبي، إذ إن جميع أعضائها معينون وبالتالي فإن قراراتها لا تعكس بالضرورة الرأي العام لسكان المناطق فضلا عن سكان المدن.
من هنا تأتي أهمية هذه الندوة عن الإدارة المحلية وتوصياتها التي أسهم في صياغتها العديد من أصحاب الرأي ومراكز اتخاذ القرار في القطاعين العام والخاص أتمنى أن تأخذ حظها من الاهتمام والمتابعة وأهم من ذلك تطبيقها أو جزء منها حتى ترتقي بالعمل الحكومي المحلي وتسهم في معالجة كثير من القضايا المحلية التي لا يمكن معالجتها مركزيا. فالشكر والتقدير للمسؤولين في جامعة الأمير سلطان على مبادرتهم بتنظيم هذه الندوة التي آمل أن تكون دورية لمتابعة القضايا الحالية والمستجدات المستقبلية.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي