مرارة المساهم.. بين سوق الأسهم ودعابة برنامج
لا أحد ينكر أن برنامج التقرير الذي يقدمه الزميل حسين شبكشي عبر شاشة العربية يعتبر من أنجح البرامج الاقتصادية على مستوى الشاشات العربية كلها، والسبب الذي جعل التقرير يحتل هذه المكانة هو أن البرنامج نهج نهجاً موضوعياً وجاداً في مناقشة ومتابعة أوضاع أسواق الأسهم، وهذا الخط هو الخط الذي نراه في كل برامج شاشة العربية.
وحينما كانت الأسواق وبالذات سوق الأسهم السعودية تتعرض لصدمة من الصدمات كان التقرير يتجه بكل إمكاناته الثرية ويختار ثلة من الضيوف والكفاءات ليناقش معهم الأسباب التي أدت إلى الهبوط والاقتراحات التي ستسهم في إعادة السوق إلى أوضاعها الطبيعية، هذه هي الوظيفة المثلى للبرنامج، ولذلك كان البرنامج هو الملاذ الذي يلجأ إليه الناس حينما تتعرض السوق لهزة أو انهيار، بل كان الكثير من المشاهدين يتخذون قرارات الشراء أو البيع في ضوء التوصيات التي يقدمها البرنامج.
ونتيجة لذلك حقق البرنامج نجاحاً جماهيرياً كبيراً وأصبح يجذب إليه ملايين المشاهدين، ولكن في حلقة من حلقاته الأخيرة خرج البرنامج عن مساره، بل خرج عن مسار جميع برامج شاشة العربية الجادة والموضوعية واتجه إلى إطلاق النكات والسخرية مما يحدث من انهيارات في السوق بشكل لا يتناسب مع كل ما قدمه من مناقشات جادة كانت مكان احترام وتقدير الكثير وكأن البرنامج قد سرق من برنامج طاش ما طاش دوره الكوميدي في تناول قضايا الناس بالنكات والقفشات والسخرية.
وإذا كنت أحد المعترضين على هذا التغيير في أداء البرنامج، فإنني لاحظت أن البعض راقه ما قدمه البرنامج من نكات وقفشات على قاعدة شر البلية ما يضحك، ولكن دعونا نسأل هل هيستيريا الضحك هي المكان المناسب لبرنامج عرف عنه الجدية في البحث عن مخرج من أزمة أدت إلى ضياع ملايين الريالات؟!!
إن حجم الخسائر التي ضربت رؤوس أموال شركات ورجال أعمال كبارا.. سيؤثر إلى حد بعيد في نشاط هذه الشركات وفي عقودها مع الخارج، بل سيؤثر في النشاط الاقتصادي السعودي الوطني عامة.
إن مشكلة بهذا الحجم كان يجب أن تدعو الجميع إلى البحث عن مخارج وحلول، عوضاً عن إجراء مقابلات مفبركة مع شباب ربما دخلوا السوق ببضعة ريالات.
إنني أعرف أن بعض رجال الأعمال فقدوا مئات الملايين من الريالات في السوق وأنهم يعانون مشكلات مالية كبيرة تواجه نشاطهم، ناهيك عن المآسي التي ضربت الكثير من البيوت السعودية وفتكت بالعلاقات الأسرية، وطرحت عوائلها فوق أسرة المرض.
ألم يكن هذا كله كافياً كي نأخذ الموضوع بجدية ونتعاون جميعاً في البحث عن حلول من خلال صيغ موضوعية وجادة.
إن مجلس الوزراء الموقر ومجلس الشورى المحترم اهتما بالهبوط الذي اجتاح سوق الأسهم منذ شباط (فبراير) وحتى تشرين الثاني (نوفمبر)، وفتك بأكثر من أربعة ملايين مواطن وأخذ مجلس الشورى المحترم يناقش أوضاع السوق بجدية، كما أن جمعية حقوق الإنسان فتحت الباب أمام كل المتضررين من سوق الأسهم وأكد رئيس الجمعية الدكتور بندر الحجار أن أبواب الجمعية مشرعة لاستقبال شكاوى المتضررين من سوق الأسهم.
ولكن المفاجأة أن الفنان يوسف الجراح الذي استضافه البرنامج في حلقته الهزلية لم يكن هزلياً وهو يشارك في الحلقة، بل قال جئت لكي أعرف متى يتوقف النزيف ولماذا حدث هذا النزيف، وقال إن الكوميديا مكانها طاش ما طاش وليس برنامجاً يفترض أن يكون محترماً كالتقرير.. ولا شك أن المشاهد يتمنى أن يستمر البرنامج في نجاحاته وأن يبحث مع كل الفعاليات المالية والاقتصادية الوطنية عن الأسباب الحقيقية التي أدت بأكبر سوق للأسهم في منطقة الشرق الأوسط إلى هذا التردي غير المبرر.
إن الكثير من السعوديين ممن فقدوا ملايينهم لم يعجبهم هذا الخروج الهزلي من برنامج عرف بالجدية في معالجة القضايا، وكان دوره أن يكون أكثر موضوعية في كشف أسباب الانهيار واستخدام الشفافية وتعميق المناقشات للوصول إلى الإفصاح عن طريق الاتصال بأصحاب القرار في هيئة سوق المال ومؤسسة النقد ووزارة المالية ممن لا يستطيع المساهمون البسطاء الوصول إليهم واستجلاء الحقيقة منهم وتقديمها جلية واضحة ـ بعيدة عن الشائعات ـ إلى ملايين المشاهدين.
في حياتنا أشياء كثيرة يمكن أن نعالجها بالكوميديا إلا المال، فالمال هو الوتر الحساس لدى الناس كافة، هو عصب الحياة وهو باني الاقتصاد ومحركه، وأزماته تحتاج إلى الجدية وإلى معالجات موضوعية وتحتاج إلى حنكة في الرأي وصراحة في الطرح وتحتاج إلى خبراء يخافون الله ويرشدون ويوجهون في ساحة كان يجب أن تتمتع بالشفافية والإفصاح والمساءلة الكاملة.
أما الخلط بين الجد والهزل في برنامج كان مكان احترام رجال الأعمال والمتداولين، فإنه مأخذ يجب ألا يتكرر وبالذات من محطة ينظر إليها الناس بشيء كبير من التقدير والاحترام، وأذكر أن استخدام الهزال في موضوعات الجد ليس من منهج محطة العربية التي عرفت بالجدية والجسارة في كل برامجها وأخبارها.
وكان المفروض أن يكون التقرير ـ في كل ما يقدمه ـ يسير على هذا الخط.
كلنا نطلق النكات ونسخر من أحوالنا ولكن ليس في الوقت الذي يتطلب منا أن نكون في قمة الجدية.
إن البعض ممن راقتهم السخرية ـ في البداية ـ فاقوا من غفوة السخرية حينما أدركوا أن تحويشة العمر ذهبت إلى غير رجعة، وتمنوا لو أن برنامج التقرير ساعدهم في استجلاء الحقيقة عوضاً عن مشاركتهم في سخريتهم وصخبهم، وتمنوا لو أن هذه الحلقة كانت ضمن الحلقات الجادة التي ركضت وراء إعادة السوق إلى نشاطه الطبيعي لتعويض ولو بعض الخسارات.