تجمع مدن الطاقة في الدمام.. قدرات محلية بمعايير عالمية
افتتحت يوم أمس السبت فعاليات تجمع مدن الطاقة في مدينة الدمام التي اختيرت لتكون مكان التجمع لهذا العام. اختيار مدينة الدمام جاء لمكانة الدمام كمدينة بترولية تلعب دورا مهما في تزويد العالم بأسرة بالطاقة، وكذلك للقيادة المتميزة لمعالي أمين المنطقة الشرقية المهندس ضيف الله العتيبي الذي بذل جهودا كبيرة لإقامة هذا التجمع في الدمام. إن هذا التجمع يبرز مكانة المملكة العربية السعودية ويعرف عمداء مدن الطاقة العالمية بالتطور والتنمية الاقتصادية وقدرة المملكة على السير في خط متزن بين التقدم الصناعي والتقني والحفاظ في ذات الوقت على الأصالة والتقاليد والخصوصية للمجتمع السعودي. وقد شرفني معاليه بترأس حلقة النقاش حول التنمية المحلية في مدن الطاقة. أسهم فيه المتحدثون في الحلقة في نقل صورة واقعية عن حجم التطور الذي تشهده المملكة في قطاعات مختلفة في ظل القيادة الحكيمة لخادم الحرمين الشريفين، وهم: الأستاذ محمد الطحلاوي مشرف مجموعة البحوث والاستشارات في "أرامكو السعودية"، المهندس شجاع المصلح مدير عام التخطيط في أمانة المنطقة الشرقية، الدكتور فالح السليمان المشرف على "وادي الظهران للتقنية"، والأستاذ عبد الوهاب الأنصاري مساعد أمين الغرفة التجارية الصناعية في المنطقة الشرقية. وقد كان لتداخلات عمداء المدن المشاركين والحضور أكبر الأثر في إثراء النقاش.
وقد تحدثت في تهيئة للنقاش عن أن التنظيم الإداري المتبع في إدارة المدن السعودية يمثل التحدي الأكبر في تطوير المدن والمجتمعات المحلية. إذ إن عدم وجود هيئة محلية مسؤولة عن إدارة المدينة وتخطيطها يجعل من الصعب التخطيط لها وإدارتها بكفاءة وفاعلية وأهم من ذلك تحقيق المتطلبات والرغبات الحقيقية للسكان كما ونوعا. الواقع الإداري الحالي يشير إلى أن الجهود الإدارية والتخطيطية المحلية هي نتاج جهود متفرقة لفروع الوزارات ما يجعل من الصعب وضع حلول ومعالجات شاملة متكاملة تتناول جميع القطاعات والتنسيق فيما بينها داخل حدود المدن.
لقد أدركت القيادة السياسية في السعودية هذا القصور في إدارة المدن واتخذت خطوات شجاعة في معالجة هذه الإشكالية. فقد تم تفعيل انتخابات المجالس البلدية، يمثل هذا القرار خطوة جبارة في التاريخ السياسي السعودي إذ منح الفرصة للمواطنين سكان المدن انتخاب ممثليهم في المجالس البلدية. ومع أن دور المجالس البلدية استشاري، إلا أنه يعتبر أسلوباً جديداً وطريقة منطقية في النظر لدور الإدارة المحلية على أنها تمثيل لسكان المدن وإبراز لمفهوم المشاركة الشعبية. ويبدو المستقبل أكثر إشراقا فهناك جهود كبيرة تبذل نحو التخفيف من المركزية ومنح صلاحيات ومسؤوليات أكبر للمستويات المحلية. لقد بدأ تأثير هذا التحول واضحا على أداء البيروقراطيات المحلية إذ أصبح عليها التعامل مع وضع جديد وتحديات لم تكن معهودة من قبل فقد أصبح على الإدارات المحلية استيعاب الرأي العام المحلي وتبنية في سياساتها وطريقة معالجة القضايا والمشاكل المحلية، التي من أهمها التحضر السريع، البطالة، وتزايد احتياجات السكان خاصة فئة الشباب وغيرها من التحديات ذات الصلة بالتنمية والتطوير. جميع هذه القضايا تحتاج إلى جهد كبير ومركز في مواجهتها والتقليل من تأثيراتها قد تكون المجالس البلدية الخطوة الصحيحة على طريق طويل من التطوير الإداري المحلي.
ويبدو الوضع المحلي أكثر تأزما وأكثر صعوبة عندما نضيف إلى هذه التحديات تحديات أخرى تتعلق بقوى العولمة والتغيرات السريعة في مجال التقنية، الاتصالات، والسلبيات البيئية. كما تشكل متطلبات المدن من الطاقة استهلاكا وإنتاجا تحديا آخر للمدن يجب مواجهته بكل واقعية ومصداقية والتحسب للمستقبل. كل هذه التحديات تحتاج إلى تنظيم إداري محلي قادر على التعامل معها بإيجابية ومبادرات مبتكرة.
إن من بين ما تعاني منه مدن الطاقة على وجه التحديد تزايد النمو الحضري بشكل سريع دون أن يكون هناك فرصة للأخذ بمنهج التنمية المستدامة. إن تدني مستوى البيئة هو نتيجة حتمية للتوسع العمراني والتأثير السلبي المصاحب له على عناصر البيئة الطبيعية. إن هناك إشكالية في الموازنة بين القيم الاجتماعية والقيمة الاقتصادية في التنمية، ويبدو أن الغلبة دائما تكون لصالح القيم الاقتصادية على حساب القيم الاجتماعية والبيئية. لقد عزز من هذا التوجه الاعتماد على البيروقراطيات العامة في صياغة السياسات والتي عادة ما تركز على مصلحة الجهاز الإداري وأولوية النواحي الفنية والاقتصادية الآنية. كما أن طبيعة الإدارة المحلية ومحدودية نطاقها المكاني يجعل من الصعب تجنب التأثيرات الجانبية السلبية القادمة من خارجها، ما يجعلها عديمة القدرة على التعامل مع الملوثات البيئية عند مستواها المحلي وتتطلب إدارات إقليمية ووطنية للحد من انتشارها وتقليلها. إلا أن الإدارات المركزية قد لا تكون راغبة في ذلك خاصة في حال تعلق الأمر بالتنمية الاقتصادية وزيادة الإنتاج. وهنا تنشأ معضلة كبيرة لا تستطيع المحليات بإمكاناتها المحدودة تجاوزها.
لقد أشارت الكثير من مداخلات المشاركين إلى أن مدنهم تعاني إلى حد كبير من هذه المشكلة ووجد أن الشراكة بين الإدارات المحلية والقطاع الخاص هي أحد الحلول التي قد تسهم في الحد من التدهور البيئي. كما أن العمل على بناء القدرات والإمكانات المحلية ليس في تنمية الموارد البشرية والتطوير التنظيمي للأجهزة الإدارية المحلية وحسب ولكن أيضا إيجاد صيغ من التعاون المشترك بين فئات المجتمع المحلي. لقد حان الوقت لتهيئة الظروف والإمكانات للعمل التطوعي في الخدمة الاجتماعية والتقليل من التعقيدات البيروقراطية التي تحد من نشاطة. إن الهدف الأساسي للإدارة المحلية هو تفعيل الموارد المحلية وتوجيهها نحو تحقيق متطلبات المجتمع المحلي. هذا هو المقياس الحقيقي لأنه لا يكفي أن يكون هناك تنمية وتطوير بل يجب أن تكون هذه الجهود متناغمة مع متطلبات المجتمع المحلي. وقد أعجب الحضور بالإسهام الكبير الذي تبذله "أرامكو السعودية" في التنمية الاجتماعية على المستوى الوطني والغرفة التجارية الصناعية في المنطقة الشرقية على المستوى المحلي. كما لفت انتباه الحاضرين حجم تعاون هذه المؤسسات مع أمانة المنطقة الشرقية، ما يعكس القدرات القيادية والرؤى المشتركة الواضحة لما ينبغي عمله والدافعية نحو تحقيق تنمية اجتماعية اعتمادا على التعاون المشترك.
لقد تمت الإشارة في ثنايا حلقة النقاش إلى أهمية بناء مجتمع معرفي قادر على التمحيص والاختيار بوعي وإدراك. وقد شد انتباه الحضور فكرة وادي الظهران للتقنية الذي يسعى إلى عمل البحوث التجريبية والتطبيقية في محاولة للربط بين البحث ومتطلبات الصناعة والإنتاج. إن مشروع وادي الظهران للتقنية من شأنه إعادة صياغة التنمية وتوجهاتها وقد يكون نموذجيا للمشاريع الأصيلة التي تحقق نقلة نوعية في النشاط الاقتصادي والصناعي.
في ختام حلقة النقاش أبدى المشاركون إعجابهم وشكرهم بما تم تقديمه من معلومات ثرية كشفت لهم التطور الكبير الذي تشهده المملكة في كثير من الميادين. إن نجاح التنظيم للحلقة ولبرنامج تجمع مدن الطاقة يعود الفضل فيه ـ بعد الله ـ إلى قدرة معالي أمين المنطقة الشرقية القيادية ونشاط وحيوية مساعديه وحماس مجموعة كبيرة من العاملين في الأمانة. لقد كانوا جميعا مصدر فخر واعتزاز وهم الثروة الحقيقية للوطن.