رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


هل باعت الدولة أسهمها - من يجرؤ على التصريح؟

قضية بيع الدولة حصصها في الشركات المساهمة قضية جدلية كبيرة، وكثر الحديث عنها منذ بداية طفرة سوق الأسهم مرورا بذروتها عند مستوى 20 ألف نقطه وحتى الانهيار إلى مستوى ثمانية آلاف نقطه. ولكل مرحلة مؤيدوها وشائعاتها مع صمت مطبق من جانب مؤسسة النقد ووزارة الاقتصاد ووزارة المالية إضافة إلى هيئة سوق المال. إن الصمت عن مثل هذه المواضيع شديدة الحساسية مع ما تتعرض له السوق المالية من هزات عنيفة يخلق بيئة مناسبة جدا للشائعات التي تستغل خوف الناس وعدم معرفتهم بخبايا الأمور أو قدرتهم على قياس مدى تأثير مثل هذه القرارات في استثماراتهم ومن ثم الفوز ببعض الفرص وخاصة في أسهم المضاربات.
قبل نحو سنة تقريبا تحدث الدكتور عبد الرحمن التويجري إلى الصحافة، عندما كان الأمين العام للمجلس الاقتصادي الأعلى، عن برنامج الدولة في طرح العديد من القطاعات للتخصيص، وأنه سيتم طرح برنامج خاص بهذا الشأن مع بداية عام. 2006 وهاهو عام 2006 ينقضي وبقي الخبر. وفي سياق ذلك التصريح, أشار معاليه إلى أنه لا يوجد تأخير فيما يخص عملية التخصيص وأن هذه العملية تتم وفق جدول محدد لتحقيق تخصيص منظم ومثمر. وقال معاليه، وهنا بيت القصيد، "إن بيع الدولة حصصها في الشركات المساهمة سبق أن أقر من قبل الدولة وأن الدولة تحتاج بشكل كبير إلى هيئة السوق المالية لكي يتم التأكد من أن الظروف مواتية لطرح أسهمها في الشركات الكبيرة" انتهى تصريحه.
لقد نما مؤشر السوق السعودية بشكل كبير خلال الأعوام من 2003 وحتى 2005 وكانت المؤشرات العامة تدل على أنه سيواصل ذلك النمو خلال عام 2006 وبما أن الدولة تملك أسهما رئيسة في بعض الشركات الصناعية، "الأسمنت"، "الكهرباء"، و"الاتصالات" فقد رأى البعض أن بداية عام 2006 تعد فرصة ذهبية لها لبيع تدريجي وجزئي لبعض أسهمها ذات الجودة العالية للمواطنين بأسعار مناسبة ومتوازنة بغية تعميق السوق وامتصاص السيولة الهائلة التي كانت تطارد عددا محدودا من الأسهم. وكان متوقعا أن هذه العملية، مع السعي إلى تحويل عدد كبير من الشركات العائلية إلى شركات مساهمة، سيترتب عليها امتصاص جزء كبير من السيولة التائهة والمتضخمة وخلق مزيد من التوازن و فرص الاستثمار وكبح جماح النمو غير الطبيعي في المؤشر والذي واكب عام 2005 وبداية 2006.
والسؤال الذي تتناقله السوق الآن ووصل إلى بريدي كثيرا هو "هل كان سبب الهبوط في المؤشر منذ شباط (فبراير) الماضي واستمراره حتى الآن هو بيع الدولة حصصها في بعض الشركات بحيث لم يتم الإعلان عن ذلك حتى لا تتأثر السوق بشكل سريع وعنيف؟ هنا أعود لأذكر أن بداية الانهيار حدث في بداية عام 2006 فهل كانت الظروف مواتية مع شباط (فبراير) الماضي من وجهة نظر هيئة السوق؟ هل كان سبب تخفيض نسبة التذبذب هو إنجاح هذه العملية؟ أقول وللأسف إنه لا يمكنني الإجابة على هذه الأسئلة حتى نعرف وبشكل دقيق حصة الدولة في الشركات المساهمة وكم بقي الآن؟ وكم علينا أن نصبر حتى ينتهي هذا البرنامج أو أن إيقافه ولو لفترة محدودة إذا كان لهذه القصة سند حقيقي يعد في صالح السوق الآن؟ وهل نجد في ظل هذا الاتجاه أن لتصريحات الهيئة حول أهمية التوجه إلى الأسهم القيادية والاستثمارية يعد كافيا ومشجعا أم لا؟
ولكن من وجهة نظر اقتصادية بحتة فإن قرار بيع حصة الدولة في الشركات المساهمة له عدة محاور وأبعاد. بداية هناك فرق كبير بين التخصيص وبيع أسهم الدولة في الشركات المساهمة القائمة. فالتخصيص هو تحويل قطاع معين أو شركة معينة من يد الإدارة العامة إلى يد إدارة الأعمال وقبول الدولة للشركاء في هذا المشروع أو الشركة. هنا تتجه الدولة إلى تقييم جميع الأصول التي تمتلكها في هذه الشركة أو القطاع وتوزيع قيمتها إلى حصص متساوية (أسهم) ثم تقوم بعد ذلك بعرض جزء من هذه الحصص في السوق المالية بحيث تصبح الدول مجرد شريك لها حقوق تمثل نسبتها في رأسمال الشركة، ومثال هذا ما حدث في شركة الاتصالات. فالدولة بقيت كشريك في الشركة وبنسبة فاعلة جدا إلا إنه قد تم فعلا تخصيص الشركة و تحويلها إلى قطاع الأعمال ثم تم طرح جزء من أسهم الشركة للسوق المالية. تسعى الدولة إلى الحفاظ على نسبة فاعلة في الشركات المخصصة لتضمن أن عملية صنع القرار تتم بتأثير مباشر منها.
من جانب آخر وعندما تساهم الدولة في شركات معينة فهي تسعى إلى تنمية استثماراتها مثلها في ذلك مثل قطاع الأعمال وخاصة في دولة مثل المملكة والتي لا تعتمد على الضرائب المباشرة كمصدر دخل رئيس لها. والمملكة ليست بدعا في ذلك، فدول العالم اليوم تهتم بتعزيز استثماراتها لدعم مركزها المالي والائتماني أمام المقرضين بشكل عام وأمام مراكز التصنيف الائتمانية المختلفة. وهنا نجد أن الولايات المتحدة على سبيل المثال تعد أكبر مستثمر في قطاعات مختلفة ومنها قطاع الطاقة.
وإضافة إلى دعم المركز المالي تهتم الدولة بالمساهمة في الشركات التي تقدم خدمات عامة سيادية ولا توجد سوق تنافسية لها وتسعى إلى المحافظة على نصيب الأسد فيها لتوجيه دفة القرار بشكل سيادي مثل تحديد الأسعار والخطط التوسعية والإقراض وأمور عديدة مختلفة، وذلك لأن التخلي عن مثل هذه القرارات لرجال الأعمال الرأسماليين قد يفقد الدولة سيطرتها على القرار ويقود إلى رفع الأسعار على المواطن بشكل كبير أو توجيه الاستثمارات بطريقة غير متوازنة. لذلك فإنه من المتوقع أن تحافظ الدولة على حصة سيادية بمعنى أكثر من 51 في المائة في مثل هذه الشركات.
وإذا كانت مشكلتنا السابقة مع السوق المالية هي توافر سيولة ضخمة في مقابل عدد قليل من الأسهم المتداولة قدرها البعض بـ 15 في المائة، فقد نجد مبررا اقتصاديا لتوجه الدولة إلى بيع استثماراتها ولكن ليس في الشركات التي تعول عليها الدولة في تحسين مركزها المالي وضمان تدفق من الإيرادات يساعد على إدارة شؤون ذلك القطاع المستثمر فيه. تبقى بعض الشركات التي يمكن للدولة بيع حصصها فيها والتي لا تمثل إنتاجها سلع أو خدمات أساسية أو سيادية ولدى الدولة توجه إلى تحرر ذلك القطاع بالكامل. هذا عندما كانت السوق تعاني من تضخم السيولة أما الآن فإن التأني وإعادة جدولة بيع مثل هذه الحصص له ما يبرره إذا كان برنامج البيع قد بدأ فعلا.
وهناك نقطة مهمة جدا في هذا الموضوع تحدثت عنها في المقال السابق. هل هناك من يعرف وقت بيع الدولة أسهمها ـ إن حدث ذلك فعلا - قبل السوق بحيث استطاع أن يحدد وقت الدخول والخروج بدقة متناهية ويستخدم هذه المعلومة للضغط على السوق وخاصة في أسهم الشركات التي لا تملك الدولة حصصا فيها وبعض أسهم المضاربات. من وجهة نظر شخصية بحتة أعتقد أن مشروع بيع حصص الدولة قد أخذ مسارا معينا وعند هيئة السوق المالية الخبر اليقين.
خارج النص:
يقول ابن جدلان الشاعر:
أحيان تصدف لعبة الشاطر مع غلطة عمر مرة لكن لاعدت الغلطة ما عاد ينولها

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي