سوق الأسهم في مهب الريح
بكل صراحة أقول إن سوق الأسهم أضحت اليوم في مهب الريح حتى لو عوضت جزء من خسائرها الضخمة أو عادت أسعار بداية العام مرة ثانية أو وصلت قيم التعاملات اليومية إلى 50 مليار ريال. وسوقنا بسلوكها الغريب تعتبر سوقا هشة قابلة للكسر وربما للطحن أيضا. ولا أعتقد أن حالها سيصلح خلال مدة قصيرة، أمست تتمايل بها الريح أيا كان مصدرها لأسباب كثيرة أهمها أنها تفتقد مقومات السوق الناضجة الكفؤة، وربما أن الطريق ما زال طويلا حتى تنضج طبخة هذه السوق العجيبة التي ملأئت جيوب البعض بالمال وسلبت البعض الآخر أمواله.
إن خسارة السوق منذ أن بدأت موجة الهبوط الكبير قبل نحو ثمانية أشهر تتجاوز ألف مليار ريال، وهي خسائر ضخمة بكل المقاييس حتى وإن كان معظمها خسائر دفترية، وربما ترقى إلى لتصنيفها ضمن الكوارث الوطنية. ويكفي أن يخسر 100 ألف مستثمر أموالهم كي نطلق هذا المصطلح على الأقل من وجه نظري الشخصية، لذا فإن ما يثار هنا وهناك عن أسباب السقوط الكبير لا يمكن أن يعول عليه في معرفة الحقيقة الكاملة لما حدث. وسبق أن تطرقت إلى هذا الموضوع في مقال سابق بعد انهيار شباط (فبراير) الماضي وقلت حينها إن أي أسباب قد تساق مهما كانت ستظل مفتقدة الدليل الذي يثبتها أو ينفيها، وسيظل الأمر معلقا بنتائج تحقيق مستقل ومحايد لمعرفة الأسباب الحقيقية لما حصل في السوق.
من هنا أكرر الدعوة إلى تشكيل لجنة تحقيق مستقلة لمعرفة الأسباب الحقيقية لما حدث وإعلان نتائج التحقيق على الملأ، فليس من الحكمة أن تشوه سوق الأسهم بسلوكها المثير السمعة الجيدة لاقتصاد المملكة، كما أن من غير المقبول بقاء السوق ملعبا لكبار المضاربين أو أن تظل لوائح سلوكيات السوق حبرا على ورق دون تفعيل.
السوق اليوم تمر بأسوأ أيامها، فالأسعار المغرية للشركات القيادية لم تعد جاذبة لأحد وهو في ظني يمثل خطورة على مستقبل السوق لا سيما أنها لا تعكس المعطيات الممتازة للاقتصاد الوطني الذي حقق خلال هذا العام نتائج ممتازة للغاية، كما أن السوق أصبحت محرقة للمال ومفرخة له أيضا في الوقت ذاته، أصابت الآلاف بالإفلاس وربما المرض وهو أمر لا ينبغي السكوت عنه كأنه يمر مرور الكرام دون معرفة الأسباب ومعاقبة المتسببين إن وجدوا.
مشكلة السوق أنها سوق مصطنعة أي أن قوى العرض والطلب لا تتفاعل مع أي أخبار أو نتائج مالية بحكمة وعقلانية ليس لأن معظم المتداولين فيها ينقصهم الوعي الاستثماري بل لأن هناك قلة تتحكم في العرض والطلب ومن ثم الأسعار، فأصبح سهم "بيشة" أو "الأسماك" أضعاف قيمة سهم "سابك" في مفارقة عجيبة لا تحدث إلا في سوقنا فقط.
مكررات الربحية تصل إلى رقم الآلاف ومع ذلك هناك من يشترى متعلقا بأهداب الأمل في أن يكون غنيا من ضمن الأغنياء، فيصبح خلال أيام مفلسا مديونا لا حول له ولا قوة، ومكررات الربحية نفسها تصل إلى أرقام متدنية جدا ولكن في هذه المرة لا أحد يقدم على الشراء، فعلا إنه أمر عجيب.
وحتى يتم تشكيل لجنة للتحقيق في تداعيات السوق، أقترح على القراء الكرام أن يتجنبوا تسويق الإشاعات عن أسباب ما حدث ويحدث، وأن يكثروا من ترديد "لله ما أخذ ولله ما أعطى".