رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


"طاش" التقليد

منذ طفولتي كنت "أمتعض" و"أشمئز" من كلمة "تقليد", حين أذهب إلى السوق وأسمع الباعة وأصحاب الحوانيت يشيرون إلى أن هذا "أصلي" وليس "تقليدا"، حتى بت أعتقد أن التقليد يعني بصريح العبارة ما هو تافه وزهيد.
غير أنني خلال شهر رمضان المبارك الماضي رفعت عقالي وشماغي وطاقيتي مرارا وتكرارا تحية لناصر القصبي وعبد الله السدحان وزملائهما الرائعين في مسلسل "طاش 14", فقد أقنعوني لأول مرة أن "التقليد" قادر على أن يطلع شمس الفن من المغرب بينما "الأصلي" ليس في مغربه قمر ولا في مشرقه شمس.
أقول هذا, لأني كنت أتصور أن قدرة الفنان لا تصاب بالعقم أو العطب والشلل لأن مجرد عنوان "ما" أصبح شهيرا وبالتالي فوحده العنوان هو البوابة السحرية للنجاح وأن إنتاج عمل فني بالعنوان أو الاسم ذاته, مع تأكيد أنه الأصل سوف يحقق المستحيل .. إن هذا المسلك أشبه بكتابة الشخص آلاف الرسائل لنفسه لإقناع الآخرين بأن له معارف وأصدقاء ومريدين كُثر في كل مكان!
كنت قد تمنيت على الأستاذ عامر الحمود لو ترك "طاش" وشأنه وترك البكاء على الأطلال إلى الوقوف على التخوم لاستشراف المستقبل وصناعة عالمه الفني وإنتاج إبداعه الخاص و"تقليد" نفسه ليصبح بحق "الأصلي" أمام نفسه وجمهوره.
لكن لماذا صادرني "التقليد" واستحوذ علي وجعلني منحازا مستلبا له .. وهو طبعا ليس تقليدا وإنما هي تلاعبات البلاغة ولغة المقابلة والطباق.
لماذا؟ لأن "طاش" القصبي والسدحان يمثل عناء أرواحنا القلقة فحلقاته مزق من حياتنا قافزة على الشاشة, إنها إلقاء القبض على أنفسنا متلبسين بتقليد أصالتنا وتلصيق تقليدنا, ضبطنا لذواتنا لابسين الأقنعة مسرفين في وضع المساحيق ووأد البساطة والعفوية فينا والارتهان إلى التمسرح حسب الأهواء الأنانية ووفقا لانتهازية تتدثر بمعسول الكلام والملمعات في المظهر.
"طاش" القصبي والسدحان تقلد نياشين "الأصلي" و"ماركته المسجلة" لأنه قادم من قاع وجدان المجتمع ولأنه كذلك أحدث خضة ورجة وجدلا عارما جعل القوم يفتحون هاماتهم وينكشون في تراب أرواحهم بحثا عن وجوههم التي أنكروها حين فاجأهم بها "طاش 14" والطاشات السابقة, دون افتراء على أحد وإنما بالتحرك في شبكة الالتباسات الاجتماعية عموديا وأفقيا وانتشال المفارقات التي تبكينا وتضحكنا, نعرفها وننكرها, نخشاها ونتلصص عليها.
وهكذا ظل "طاش" سبحونة جدة ذلقة اللسان لكنها حنونة وحكيمة فيها من نكد الدنيا ما يرغمها على القهقهة لكيلا تموت كمدا وتميت معها أطفالها غما وقد تمس الجدة بصوتها المنساب في دامس الليل وضوء السراج شغاف الصغار برعشة من خوف أو قد تفلت من أحداقهم دمعة يسحقونها في زوايا عيونهم أو قد تثير من أعماقهم تنهيدة مرة, لكنها إن حاولت أن تكف عن المضي في السبحونة يهجر الأطفال أماكنهم ويتعلقون بأردانها صائحين: "وبعدين .. وبعدين.. وبعدين.. يا جدة!" هكذا نحن مع "طاش" ممزقون بين اللهفة واللعنة وبعضنا أعجز من أن يعترف بأنه رغما عنه أصبح مدمنا على "طاش" كالنظرة التي نلقيها كل صباح على المرآة قبل أن نغادر منازلنا لنتأكد أن مظهرنا على ما يرام ومع ذلك .. تبقى لدى البعض المكابرة والرغبة في رجم المصابيح النيرة حتى لا نرى التشوهات والدمامة، فتلك هي وظيفة الفن. أن يدير وجوهنا لما نثابر على أن ندير له ظهورنا وأن يمشي بنا على شفرات السيوف وأن يغرينا بالرقص على الجمر .. وأن يجيء بنا شهودا على أنفسنا!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي