هل وصلت مشاريع التنمية.. إلى الإنسان السعودي؟!
إن الهدف الرئيسي من التنمية هو أن تصل مشاريع التنمية إلى كل مواطن وتيسر سبل حياته وتجعل معاشه أكثر سهولة وأكثر رغدًا وأكثر جمالاً، وبمعنى آخر إن هدف التنمية هو رفع مستوى معيشة الإنسان، أما إذا لم يتحقق هذا الهدف فإننا نعتبر التنمية قد انحرفت عن أهدافها الرئيسية، وهي لذلك في حاجة إلى إعادة نظر، لأن الأصل في التنمية أنها من الإنسان وإلى الإنسان.
نعرف جميعًا أن حكومتنا الرشيدة نفذت ثماني خطط تنمية على مدى 40 عاما كلفت الدولة مليارات المليارات من الدولارات، وكان الهدف هو تحسين معاش المواطن والارتقاء بالإنسان السعودي وجعل حياته ميسورة كريمة في وطن أغر تحفه رعاية الله وتوفيقه.
ولذلك فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل حققت خطط التنمية أهدافها؟ وهل وصلت مشاريع التنمية بعد تنفيذ ثماني خطط تنموية إلى المواطن العادي في كل أنحاء المملكة؟ أم أننا نتشدق بتنفيذ مشاريع تنموية فضفاضة لم تصل بعد إلى المواطن العادي ومازال مواطنون كثر لم يحسوا بها!!
هذا السؤال مهم لأنه يضع خطط التنمية الثماني في مأزق ويتهمها بأنها لم تنجح بدليل أن المدارس مازالت قاصرة عن استيعاب شريحة كبيرة من الطلاب والطالبات وأن شريحة كبيرة من الشباب الباحث عن العمل لم يجدوا عملاً، كذلك فإن مياه الشرب لم تتدفق بكميات كافية إلى البيوت ومازال الصرف الصحي غائبا عن أهم المدن السعودية ومازال المواطن يعاني من الحصول على مصحات للعلاج بأسعار لا ترهقه، أي أن المواطن مازال يقف عند المشاكل نفسها التي كان يعانيها قبل خمسين أو ستين عامًا من الآن.
إذن أين وكيف نفذت مشاريع التنمية طوال الـ 40 عامًا؟ والمواطن لا يزال في المربع الأول يعاني من شح في المياه والمدارس والمستشفيات والجامعات والمصانع والصرف الصحي، ولماذا لم ينعم بها المواطن العادي؟ ولماذا لم تصل ويحس بها كل مواطن في كل أنحاء مملكتنا الفتية؟
الإجابة هي أن مشاريع تنموية كثيرة تم تنفيذها على أرض الواقع وحولت هذه المشاريع مدن المملكة من مدن مقفرة إلى مدن زاهية تخطف إعجاب الناس، فلا أحد ينكر أن المملكة لم تكن بها جامعة واحدة، فأصبحت الجامعات تتجاوز خمس عشرة، ولم يكن بها مستشفيات وأصبحت المستشفيات تنتشر في كل المدن بالآلاف، ولم يكن بها مدارس فأصبحت المدارس تنتشر في المدن والقرى وفوق الجبال، ولم يكن بها كهرباء ووسائل اتصالات ومواصلات وأصبحت المواصلات والاتصالات تضاهي كبريات الدول المتقدمة.
إذن المشكلة أن خطط التنمية لم تراع العلاقة بين معدلات الزيادة في عدد السكان والحاجات الضرورية من المشاريع والبرامج التنموية، أي أن المشكلة تتمثل في غياب الإحصائيات وغياب المنهج العلمي في إقرار وتنفيذ المشاريع والبرامج.
والإحصاءات والمنهج العلمي من أهم آليات وعتاد خطط التنمية، ولكن وزارة التخطيط منذ نشوئها تساهلت في الإحصاءات أو اعتمدت على تقديرات اجتهادية، ولذلك نجد أن مدينة جدة ـ على سبيل المثال - أسست فيها جامعة واحدة وظلت هي الجامعة الوحيدة في جدة منذ 40 عاماً وحتى الآن، وكأن رواد هذه الجامعة لا يزيدون على أربعة آلاف طالب وطالبة، علمًا بأنهم أصبحوا اليوم يتجاوزون 20 ألفا، وكذلك بنت وزارة الصحة مستشفى مركزيًّا واحدًا، وظل هذا المستشفى لثلاثين عاماً دون أن ينضم إليه مستشفى ثان وثالث ليواجه الطلب على الخدمات الطبية المتزايدة، وكأن المرضى في عام 1960م هم العدد نفسه في عام 2006م.
ورعاية الشباب بنت في عام 1961م ملعبًا واحدًا في جدة، وظل هذا الملعب حتى عام 2006م، وكأن عدد الرياضيين وعدد الأندية ظل عند حدود 40 ناديًا وثلاثة آلاف رياضي.
إذن المشكلة هي النسبة والتناسب بين عدد السكان وبين عدد ونوع المشاريع المطلوبة لمواجهة الزيادة في معدلات عدد السكان.
إن شعور المواطن بعائد التنمية هو الأمر الذي يحقق رضا المواطن ويضمن في النهاية نجاح التنمية واستقرار مسيرتها، وهنا يثار التساؤل المنطقي التالي: متى يشعر المواطن بعائد التنمية؟ وكيف تنعكس على حياته اليومية؟ وكلا التساؤلين يرتبطان بتوجهات التنمية الاقتصادية والاجتماعية على امتداد العقود الأربعة الماضية وقدرتها وعدم قدرتها على ضمان التوازن بين التنمية الاقتصادية والتنمية الاجتماعية في ظل البديهيات القائلة إن التنمية الاقتصادية عندما ترتكز على المبادرات الفردية والقطاع الخاص وفقًا لاقتصادات السوق، فإن التنمية الاجتماعية ترتكز بالضرورة والحتم على مسؤولية الدولة ودورها الفاعل لضمان الارتقاء بمستوى القاعدة العريضة من المواطنين الأقل دخلاً وتوفير البنية التحتية المحفزة للنشاط والأعمال والميسرة للحياة الكريمة القادرة على ضمان التوزيع الأفضل للدخل والثروة وحماية الاقتصاد من كافة معوقات المنافسة وكافة صور الفساد.
إن الثابت والمؤكد أن هناك هدرًا في الموارد وعجزًا ضخمًا في عمليات الإدارة والتنظيم وفي عمليات التنفيذ ولا يقل عن ذلك أهمية ما يرتبط بوجود خلل في الأولويات التنموية.
لقد أنفقت بالفعل استثمارات تقدر بعشرات المليارات وتصل على امتداد الخطط الخمسية إلى مئات المليارات لبناء البنية التحتية من مواصلات واتصالات وطرق ومياه شرب نظيفة وصرف صحي وموانئ وطاقة كهربائية وغيرها ولكن المحقق على أرض الواقع لا يتناسب مع معدلات الزيادة في عدد السكان.
إن الإدارة العامة والإدارة المحلية في المملكة تحتاجان إلى ثورة تنموية اقتصادية لاستيعاب مخزون البطالة المتضخم والذي هو في النهاية والبداية مخزون للثروة البشرية يجب تفعيله لمساندة التنمية ورفع معدلاتها بما يضمن تنمية حقيقية مخططة ومدروسة قادرة على استغلال الموارد والإمكانات والثروات المحلية، وقادرة على توفير فرصة العمل والعيش والحياة بكل ما تعنيه من إمكانية المساهمة في تطوير المجتمع.
وأزعم أن هذه الأسباب مجتمعة هي التي كانت ومازالت وراء عدم القدرة ـ على امتداد السنوات الماضية - على صياغة وبلورة العقد الاجتماعي بالشكل الذي يتوافق مع متغيرات الزمن وظروف العصر وبالصورة التي تضمن الحفاظ على سلامة المجتمع في مواجهة الصدمات الاقتصادية الداخلية.
إن المطلوب هو تفعيل الإدارة المحلية وبالذات بعد تطبيق مبدأ الانتخابات في تشكيل المجالس المحلية للمساهمة بصورة فعالة في وضع وتصميم خطط التنمية بحيث تبدأ عمليات وضع البرامج والمشاريع التنموية من القاعدة وليس من القمة فقط، كما كان الحال عليه عند إعداد ثماني خطط تنموية فوقية تورطت في الكثير من الإخفاقات ولم تحقق النجاح الذي كنا نرجوه ونتمناه.