رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الحوار الوطني.. والقضية الأهم..!

[email protected]

في كل مرة يعقد لقاء للحوار الوطني لمناقشة قضية ما ويحشد لها المختصون والمهتمون وذوو العلاقة من كل مناطق المملكة يتعزز مفهوم الحوار كخيار استراتيجي ومنهج لمعالجة المشاكل وأسلوب حضاري لحل الخلافات وإدارة الاختلاف على طاولة النقاش وفي اجتماعات لا تنقصها الشفافية والمصارحة. وهذا بلا شك نهج جديد يتناسب مع المتغيرات والمستجدات التي نشهدها على الساحة الداخلية والتحديات التي تواجهنا من الخارج. إن إقامة مثل هذه الحوارات تؤكد وبشكل قاطع توجه القيادة السياسية في السعودية نحو الإصلاح والتطوير والمضي قدما نحو الدخول في مرحلة متقدمة من النضج السياسي في صناعة القرارات العامة واحتواء الرأي العام المحلي والمشاركة الشعبية قدر الإمكان.
إن مفهوم الحوار الوطني مفهوم جديد في القاموس السياسي السعودي يعكس حيوية النظام السياسي وقدرته على إدراك المتغيرات والتفاعل معها واستيعابها والتكيف معها، والتي من أهمها زيادة الوعي والثقافة والتحضر بين المواطنين نتيجة زيادة التعليم والتداخل الثقافي بين الأمم. وإذ يكن الحوار كإجراء سياسي يعبر عن الرغبة في البحث عن حلول توافقية وصيغ يقبلها جميع الأطراف في المجتمع السعودي من أجل تثبيت دعائم الوحدة الوطنية والوقوف صفا واحدا كالبنيان المرصوص أمام الهجمات الشرسة والمتربصين والحاقدين والأعداء لدولة التوحيد، فإن تحقيق ذلك مرهون بالنجاح في تحديد الموضوعات والقضايا الجوهرية ذات الأهمية القصوى وتمثل مفاصل رئيسة وحساسة، إذ لا نستطيع أن نكتفي بالتحاور من أجل التحاور دون الاتفاق على الأولويات وأجندة واضحة صريحة تتناول القضايا المفصلية ذات التأثير الأكبر، التي لها تبعات كثيرة على المدى الطويل . من هنا كان التساؤل: كيف نحدد تلك القضايا وأولوياتها وكيف نتجنب الخلط بين جوهر المشكلة وظاهرها؟
إن الاتفاق على القضايا هو بأهمية الحوار نفسه إن لم يفقه! بعض القضايا التي تم مناقشتها هي بطبيعتها تتطلب حلولا فنية وإدارية ومالية وهي ليست بالضرورة محل جدل واختلاف اجتماعي، بل يكاد يكون هناك شبه إجماع على ما يجب عمله وكيفية معالجتها. لذا كان من الأجدر معالجة مثل تلك القضايا والتصدي لها بإحالتها إلى المختصين لعمل الدراسات والاستشارات، وكذلك الطلب من الوزير المختص تقديم رؤيته وسياساته وبرامجه واستراتيجياته لمجلس الشورى، المجلس الوطني النيابي لمناقشته ومحاورته حولها حتى يتم التوصل إلى اتفاق مقبول للجميع فيما يخص أسلوب ومنهج التعامل مع القضايا التي تهم المجتمع. فعلى سبيل المثال المشاكل التي تعاني منها القطاعات الحكومية المختلفة هي من تلك المشاكل الفنية الإدارية المالية التي تحتاج إلى إعادة النظر في أولوياتها ومعاييرها والدعم اللازم لها. هذا النوع من المشاكل واضح ومباشر ولا يمثل اختلافا كبيرا في المجتمع وبالتالي لا يحتاج منا إلى النقاش والتداول حولها. إذا نعود للسؤال الأهم وهو ماذا علينا أن نتحاور حوله؟ ومن يحدد الموضوعات والقضايا التي يجب أن يشملها الحوار؟ ومن هم المتحاورون أي كيف يتم اختيار المتحاورين؟ كل هذه الأسئلة بحاجة إلى إجابة إذا ما أردنا أن نحقق الهدف الرئيس من الحوار الوطني وهو التعرف على الرأي العام ووضع الحلول التوافقية وتعزيز الوحدة الوطنية.
إن ما يجب علينا فعله حتى نتوصل إلى تلك القضايا المفصلية هو إقامة حوارات وطنية لتحديدها. إذ إن التعرف على القضايا الحساسة ومناقشتها بشفافية يحققان الهدف المنشود من الحوار ويكسبانه أهمية اجتماعية بدلا من أن يكون إجراء شكليا ينتهي بتوصيات تغرق في بحر لجي من الإجراءات البيروقراطية وأجهزة إدارية أكثرها يعدم القدرة الإدارية والمالية للاستجابة للطلب الاجتماعي، وهذا بعينه سبب أكثر المشاكل في المقام الأول. إن ما علينا إدراكه هو أن نقاش ظاهر المشكلة دون الخوض في جوهرها لن يقودنا إلى أوضاع أفضل أو يحقق تطلعاتنا. إن ولاة الأمر، حفظهم الله ورعاهم، وعلى رأسهم خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله قد فتحوا الباب على مصراعيه للنقاش والتحاور وأكدوا في أكثر من مناسبة أن تكون هذه الحوارات شفافة واضحة دون قيد أو شرط لأنهم أدركوا بحسهم السياسي وتجربتهم الطويلة وفكرهم المستنير أن من الأفضل معرفة الأمور والوقوف على حقيقتها والتعامل معها والسيطرة عليها بل والمبادرة باحتوائها والتكيف معها بدلا من تركها تستفحل وتكبر وتتحول إلى أزمات قاصمة نحن في غنى عنها. وهذا ما لا يتأتى ولا نستطيع تحقيقه في إطار الحوارات الحالية لأن بعضها لا تتناول القضايا الجوهرية ولا تناقش الموضوعات الساخنة.
إن أحد أهم الموضوعات التي يجب الالتفات لها وتحتل أولوية تحديد الأدوار في عملية صنع القرار بين المستويات: الوطني والمناطقي والمحلي، إذ إن ذلك من شأنه تحديد المسؤولية وآلية ناجعة للرقابة والسيطرة والضبط السياسي. لقد أصبح من الأهمية بمكان تحديد المسؤولية ضمن نطاق إشراف مكاني تكون فيه الإدارة المحلية والإقليمية مسئولة مسؤولية يحددها القانون العام ويحدد كذلك العلاقة بينها وبين الحكومة المركزية. لقد بات من الضروري وضع إطار قانوني مرجعي واضح يفصل السلطات والصلاحيات لكل مستوى في عملية صنع القرار العام بمستوياته الثلاثة المحلي والإقليمي والوطني (المركزي). إن تحديد الأدوار والصلاحيات يتطلب بلا شك انتهاج مبدأ تفويض السلطات باتباع أسلوب اللامركزية أو على أقل تقدير التخفيف منها. إن النهج اللا مركزي من شأنه إحكام السيطرة والرقابة وليس كما يعتقد بأنه فقدان للسلطة والتقليل من الصلاحيات. إن اللا مركزية تسهم في تضييق نطاق الإشراف أي تقليل عدد الناس الذين نديرهم ونشرف عليهم من المركز ما يعني كفاءة أكبر وفاعلية أكثر في الرقابة. كما أن هرمية تسلسل السلطة تجعل هناك ترابطا قانونيا بين المستويات المختلفة بحيث يمكن تتبع أسباب المشكلة وتحديد المسؤولية. إن منح السلطات وتوزيعها بين المستويات المختلفة (المحلية والمناطقية، والوطنية) أصبحا مطلبا اجتماعيا في ظل المتغيرات والمستجدات والتي من أهمها زيادة عدد وكثافة سكان المدن واتساع مساحتها والتغيرات الثقافية والاقتصادية الكبيرة. فلم يعد المجتمع كما عهدناه بسيطا فقد أصبح أكثر تعقيدا وأكبر حجما وأقل انسجاما وبالتالي يتطلب آليات اتخاذ قرار تتناسب مع هذه المعطيات والمستجدات وأساليب جديدة في الضبط الاجتماعي. إن كثيرا من المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والثقافية هي نتيجة بعد متخذ القرار في المركز عن موقع الحدث وعدم إلمامه بطبيعة المشاكل المحلية والمناطقية وضعف الرغبة بحكم التخصص في تبني القضايا المحلية والمناطقية. إن ما علينا إدراكه في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ الوطن هو مناقشة ما لم يكن مقبولا نقاشه من قبل! كل ذلك في إطار من القانون والشرعية والمبادئ والأخلاق من دون التعدي والتجريح. إنه التفكير والعمل والمسؤولية الجماعية التي يجب أن تسود لنتحول إلى مجتمع أكثر توادا وإنتاجية ونضجا. إن هذا النهج يتطلب وضع أطر قانونية للأدوار والصلاحيات والسلطات لكل مستوى حكومي ليكون العمل واضحا والمهام جلية والمسؤولية محددة. وبذلك تتحول المسؤولية من الوزارات المركزية وفروعها إلى هيئات محلية وإقليمية تناط بها مسؤولية إدارة وتنظيم الشأنين المحلي والإقليمي كل حسب اختصاصه. إن سكان المحليات والمناطق أصبحوا أكثر قدرة على معرفة وفهم ماذا يريدون وكيفية تحقيقه وبالتالي يلزم إعادة رسم الأدوار والتنظيمات لتتيح الفرصة أمامهم لممارسة عملية صنع القرار والتعبير عن مصالحهم في جميع شئون الحياة وتحمل نتائج ذلك. من هنا كان من الضروري تخصيص عدد من الحوارات الوطنية لمناقشة هذه القضية المهمة المتشعبة ذات الأبعاد المتعددة والتبعات الكثيرة والسبب الرئيس لأكثر المشاكل التي نعاني منها في المجتمع. ولتحقيق نجاحات أكبر في هذا الاتجاه يستلزم إشراك أكبر عدد من المواطنين عبر برامج تلفزيونية متخصصة وإقامة ندوات لهذا الغرض في جميع مناطق السعودية. إن المحليات هي الجذور التي تغذي الشجرة الوطنية وتبقيها خضراء نضرة، وبالتالي من الضروري إذا ما أردنا أن ننمو ونتطور كمجتمع أن نهتم بشأنها ونزيد من قدرتها وتمكينها حتى تكون دولتنا شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء كما يريد لها ربها وولاتها.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي