رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


المعلومات في سوق الأسهم بين الإفصاح والسوق السوداء

<a href="mailto:[email protected]">maalabbas@kku.edu.sa</a>

كانت وما زالت المعلومات هي روح السوق المالية ولابد أن يختزل سعر السهم كل المعلومات المتاحة عنه وعن الاقتصاد وحركتي العرض والطلب. والإشاعة معلومة وإن كانت مشوشة ومن غير مصدر دقيق. فسعر السهم في أي لحظة هو سعر التوازن بين كل هذه المعلومات جميعها. يقول قائل إن السوق السعودية لا تخضع لهذا المعيار فأجيب, إنه لا توجد سلعة على وجه الأرض لا تخضع لمعيار المعلومات, ولكن يختلف تأثير كل معلومة من سلعة إلى أخرى ومن بلد إلى آخر، ولو أن إشاعة انتشرت عن أية سلعة أو خدمة لتغير سعرها بحسب قوة الإشاعة ومصدرها.
مشكلتنا مع الإفصاح والشفافية في السوق السعودية ليس في أننا لن نعرف أو أن الشركة لن تخبرنا بشيء كما حصل مع شركتي انرون وووردكم الأمريكيتين عندما تلاعبت وظللت في قوائمها المالية بل مشكلتنا في الإفصاح مع الشركات السعودية أن هناك من يعرف قبلنا، هناك من يعرف قبل الآخرين إن كانت الشركة ستعلن عن توزيعات أرباح أو منح ومتى، وفي هذا الكم في مسلسل الهروب الكبير من أكبر شركة لدينا قبل إعلانها توزيعات الأرباح والمنح أكبر دليل. نعم أعلنت الشركة عن وقت وحجم التوزيعات وبدرجة 100 في المائة إفصاح، لكن بعد أن عرف من أعطى الحق ليعرف قبل الجميع.
ومع الحجم البسيط الذي تنثره الشركات القيادية علينا من أرباحها العظيمة كتوزيعات نقدية مع قدراتها على القيام بتوزيعات أكبر فإن غالب صغار المستثمرين إن لم أقل جلهم لا يهتمون كثيرا بهذا النوع من التدفقات ويظل تركيزهم على الأرباح الرأسمالية التي يحققها ارتفاع سعر السهم في المدى القصير نسبيا. وهكذا تساوت في نظرهم الشركة التي تربح والشركة التي تخسر بينما المهم هو قدرة السهم على تحقيق ربح رأسمالي جيد. لذلك تجد للأنباء عن التغيرات في اتجاه الأسعار وحركة المؤشر سوقا رائجة جدا وتتصدر هذه المعلومة أهم ما يسعى إليه المستثمرون اليوم مما جعل الأخبار الأخرى عن الاقتصاد والشركة أخبارا ثانوية. في هذا الجو الاستثماري ظهرت الإشاعات التي تهدف إلى التأثير في توقع المستثمر عن حجم التدفقات المستقبلية التي ستؤول إليه في المستقبل نتيجة التغيرات في اتجاه المؤشر ونقاط المقاومة والارتداد والتي أصبحت تسمى بنقاط الدخول والخروج. ولأن السوق بيد قلة من كبار المضاربين للأسف الشديد فقد أصبح وقت الخروج من السوق ووقت ارتداده معلومة تشترى وتباع ولها تجارها. إنها السوق السوداء للمعلومة عندما يهيمن الاحتكار وتخرج السوق عن سنة القوانين ويد صانعي القرار. مشكلتنا مع الشفافية أننا لا نعرف من يتلاعب بالسوق ويصنع سوقا سوداء للمعلومة.
الأسهم لا تتوالد ولا يمكن إعادة إنتاجها فالعدد الإجمالي منها يظل كما هو في المدى القصير (وذلك حتى تقوم الشركة بزيادة رأسمال الشركة) ولكي يستمر الكبار كبارا فعليهم استرداد ما قاموا ببيعه تدفعهم في ذلك رأسماليتهم واحتكارهم لقوى السوق التي تمكنهم من أن يتجهوا بالأسعار أينما يريدون مستخدمين التحليل الفني في تحديد نقاط ارتداد وهمية هم صنعوها صنعا وحددوها قبل أن يحددها المحلل الفني أو يتنبأ بها.
وعلى رغم الإعجاب بهذه القدرات الفائقة على التعامل مع مؤشر السوق وتحركاته إلا أن العجب في استغلالهم أو استغلال من يعرفهم لهذه القرارات في إنشاء السوق السوداء للمعلومة المشبوهة - معلومة متى يقوم الكبار بالخروج وعند أية نقطة من نقاط المؤشر ومتى يعودون. وفي الآونة الأخيرة أصبح هناك من يدفع مئات الآلاف من الريالات في سبيل الحصول على معلومة مؤكدة عن تلك المواعيد القاتلة وبالتأكيد لا عزاء هنا للضعفاء ولا للصادقين من المحللين.
نعم أيها المستثمر البسيط فإنه ومهما بلغت أموالك ولم تدفع لمن يعرف فإن عليك أن تسأل السؤال المحير ما الذي يحدث؟ لا شيء لكن السوق لا تتأثر بالمعلومات المنشورة بل بالمعلومات التي يدفع من أجلها. معلومات لن تجدها في القوائم المالية ولا النشرات الاقتصادية ولا تصريحات هيئة السوق بل عند من يعرفه الكبار ويثقون به. معلومة قيمتها أكثر من مئة ألف ريال وهي فعلا تستحق ذلك.
لا أعرف إن كان شراء مثل هذه المعلومات حلالا أم حراما وما ينتج عنها من ربح كذلك هل هو حلال أم حرام, هنا أترك الرأي لأصحاب الفضيلة العلماء. وتبقى لدي أسئلة حول حجم هذه السوق ومن يقوم بإدارتها؟ وكيف يتم التنسيق إلى هذه الدرجة من الدقة؟ وهل هيئة السوق المالية على اطلاع بما يحدث؟ وإذا لم يكن فلماذا وقد أصبحت أشهر من أن تخفى؟ وإذا كان نعم فما هو الحل؟ كما أريد أن أسالك عزيز القارئ ماذا لو أتيحت لك الفرصة لمعرفة مثل هذه المعلومات, هل ستدفع مقابل ذلك وكم كنت ستدفع؟
ومع القدرة الهائلة التي يمتلكها الكبار على تحريك السوق بالطريقة التي تحلو لهم وقدرة البعض على شراء المعلومة من السوق السوداء تظل هناك معلومة لا يستطيع أحد أن يعرفها أو حتى أن يتنبأ بها. أنهم لا يستطيعون التنبؤ بردة فعل المستثمرين في السوق نتيجة الضغوط التي تمارس عليهم. وهي على بساطتها تعد أخطر معلومة ليس على مستوى السوق المالية بل الاقتصاد ككل. تظل الصناديق الاستثمارية صمام أمان للسوق، على الرغم من كل النقد الذي تواجهه، حتى تضطر إلى بيع أصولها نتيجة ضغوط طلبات التصفية.
وإذا كنت عزيزي القارئ ستدفع 100 ألف ريال لمعرفة متى ترتد السوق فإني سأدفع مثلها لو كانت معي لأعرف كيف تحقق البنوك أرباحا بعضها قياسي على الرغم من تحذيرات صندوق النقد الدولي لما قد تواجهه البنوك السعودية من أزمة نتيجة انهيار السوق المالية وسأدفع أخرى لمن يقنعني أن هذا يعد أعلى مستوى للشفافية والإفصاح. كل هذا بينما الصناديق الاستثمارية التي تستثمر أموال الأبرياء تعاني من خسائر فاقت خسائر السوق، أم أن الخسائر هي من نصيب المستثمر الصغير فقط بينما البنوك وكبار المضاربين شركاء دائمو الأرباح؟

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي