المواطن فوق عقار ساخن ..
يكاد يكون العقار القطاع الوحيد الذي يرتبط بميزانية كل فرد أو منشأة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، ذلك لأن كل فرد منَا يحتاج إلى العقار للسكن، كما يحتاج إليه كل مستثمر لإقامة منشأته عليه، وبالتالي فإن العقار يؤثر في ميزانية الأفراد بشكل مباشر حيث يدفع معظم المحظوظين من سكان الأرض نحو 30 في المائة من دخلهم الشهري كإيجارات أو أقساط مقابل سكنهم (إلا من رحم ربي من الأثرياء)، كما يؤثر العقار في ميزانية كل فرد بشكل غير مباشر لارتباط تكاليف السلع والخدمات بقيمة العقارات وإيجاراتها صعودا ونزولا.
ورغم هذا التأثير الكبير للعقار وخاصة الإسكاني منه على حياة المواطن إلا أننا نجده دون هيئة تنظيمية Regulator مما جعل همه يتفرق بين جهات حكومية متعددة غير متكاملة في أداء تلك المهمة بشكل أو بآخر، وهذا الوضع بطبيعة الحال جعل هذا القطاع المهم والحيوي، وأكاد أقول الحاسم في جودة حياة الإنسان، جعله يعاني من ضعف في البنية التشريعية والتنظيمية ذات نتائج سلبية متعددة جعلت المواطن يقف فوق عقار ساخن تطبخ منه قمة رأسه.
صحيفة "الرياض" وهي تلقي الضوء على القضية الأكثر إزعاجا تحت عنوان "جريمة عقارية تتكرر بأوراق رسمية دون رقيب ولا حسيب!!" أبرزت بعض المعاناة التي يعانيها المواطن اليوم نتيجة إهمال القطاع الإسكاني رغم تحذيرات الكثير من الاقتصاديين ورجال الأعمال الذين حذروا من وقوع أزمة إسكانية ستطل برأسها في أواخر عام 2004م، لم يتم تدارك الأمر ومعالجته بأسرع وقت ممكن وبصورة طارئة.
الصحيفة في تحقيقها أبرزت مدى معاناة المواطنين "خصوصا حديثي الزواج" منهم نتيجة ارتفاع إيجارات المساكن في الأحياء الراقية والشعبية كافة في المدن الرئيسية (الرياض، جدة، الدمام) بسبب الفجوة الكبيرة بين المطلوب والمعروض، إذ بات الكثير من المستأجرين يدفعون أكثر من نصف رواتبهم إيجارات سكنية، وإذا أضفنا لذلك فقدان الأمل في الحصول على سكن خاص في ظل المعطيات الحالية لعلمنا حجم المعاناة التي تلم بالأسر السعودية في ظل الطفرة الاقتصادية والسيولة الكبيرة التي تعاني من ضيق في القنوات الاستثمارية، ولأدركنا أيضا الإفرازات التي قد تترتب على ذلك من ارتفاع في نسبة الطلاق والعنوسة وبالتالي ارتفاع مستوى الانحرافات الاجتماعية.
لا ألوم صاحب العقار إذا رفع قيمته أو قيمة إيجاره فقانون العرض والطلب هنا يلعب دوره، ولا يمكن لأي مالك عقار أن يرى الطلب يتزايد على عقاراته دون أن يرفع ويبقى هو دون غيره لأسباب إنسانية إلا الندرة النادرة التي ترجو ما عند الله بنفس طيبة، نعم بسبب ارتفاع الطلب على ما هو معروض سيطلب كل صاحب عقار قيمة أعلى لعقاره عند بيعه، كما سيطلب كل مؤجر من المستأجر إيجارا أعلى أو إخلاء المنزل في حال عدم موافقته على الزيادة المفروضة وهذا حقه.
إذاً، هل يقع اللوم على المشتري أو المستأجر الذي انتظر طويلا حتى ارتفعت أسعار العقارات والإيجارات؟ بالطبع لا، فهؤلاء لا حول لهم ولا قوة وكل ما يرجونه مسكن يظلهم وأسرهم حسب إمكانياتهم التي لا تتزايد بشكل يتناسب والتزايد في قيمة المنازل وإيجاراتها، نعم هؤلاء لا ذنب لهم وإن ادعى بعض العقاريين أن بعض المستأجرين لا يدفعون الإيجارات مما يفوت عليهم تحقيق الأرباح المعيارية التي يصبون لتحقيقها.
لا شك أن اللوم وكل اللوم يقع على الحكومة ومؤسساتها في التقليل من شأن القضية الإسكانية رغم خطورتها، حيث لم تحدد جهة حكومية معينة تستطيع أن تنسق الجهود وتكاملها للتصدي لتلك القضية قبل أن يعاني منها المواطن اليوم كما نسمع ونقرأ، حيث هناك الكثير من القصص المؤلمة لأناس فقدوا الشعور بالأمان في السكن الذي أفقدهم الاستقرار النفسي لأسرهم، إذ إنه من المستحيل أن يستغني أي كان عن السكن الذي يشكل حاجة أساسية تتعهد الدول في توفيرها للمواطن بطريقة أو بأخرى ضمن خطط التنمية الشاملة.
لا أريد أن أسهب في الإفرازات الخطيرة التي تترتب على ارتفاع أسعار المساكن والإيجارات فالكل يعرفها، ولا أريد أن أبين حجم معاناة وزارة الداخلية في معالجة المشاكل الأمنية المترتبة على ذلك، ولكن ما أريد التركيز عليه هو الحلول المقترحة، التي يجب علينا الإسراع في تطبيقها لنتدارك المشكلة الإسكانية وهي بداياتها ويمكن أن نعالجها بسهولة قبل أن تصبح أزمة تتحكم فينا أكثر مما نتحكم فيها ويصعب علينا عندئذ معالجتها.
أحد الحلول البسيطة التي يمكن تطبيقها فورا، ويمكن أن ترفع القدرة الشرائية لآلاف المواطنين من الطبقة المتوسطة (دخلهم الشهري من ستة آلاف ريال وأكثر) لتمكينهم من شراء مساكن لهم بضمان رواتبهم يتمثل في تفعيل دور صندوق التنمية العقاري ليغطي أكبر عدد من الطلبات من خلال تحويل دوره من مقرض للشراء أو البناء إلى مقرض للدفعة المقدمة وضامن للقرض ـ خاصة أن كثيرا من البنوك اليوم تطرح برامج تمويلية أكثر من مناسبة - حيث يمكن لتسعة مليارات ريال التي رصدت للصندوق أن توفر المنازل لأكثر من 200 ألف مواطن سنويا بدل 30 ألفا إذا تم التفاهم مع الجهات التمويلية لتمول المواطنين لشراء مساكن بأقساط تصل لـ 25 سنة بدفعة مقدمة من الصندوق بحدود الـ 10 في المائة من قيمة المسكن وبضمان الصندوق لتلك القروض سواء من خلال التعهد بالدفع عن المتقاعس بعد استنفاد كافة الطرق التي تجبره على الدفع بما في ذلك إيقاف معاملاته لدى الجهات الرسمية، أو بالتأمين على تلك القروض، وللعلم فإن البيانات في معظم الدول ذات الدخول الجيدة تشير إلى أن نسبة المتقاعسين عن دفع الأقساط لا يتجاوز 2 - 3 في المائة وهؤلاء يمكن التفاهم معهم وإعادة جدولة ديونهم لسدادها بعد أن يتجازوا عثراتهم ومشاكلهم.
ويعزز هذا الحل تحفيز الشركات العقارية المطورة ذات السمعة الحسنة التي تحرص على تعزيز صورتها لدى العملاء والممولين من خلال تيسير أعمالها ومعاملاتها وإقراضها ودعمها لدى الجهات التمويلية المقرضة لتمويل مشاريعها لكي تقوم بإنتاج وحدات سكنية متنوعة وبكميات كبيرة لتلبي الطلب من ناحية وتلبي متطلبات الجهات التمويلية لتمويل المواطنين لشراء هذه المساكن، خاصة أن الجهات التمويلية تتحفز لتمويل الوحدات السكنية المضمونة وعالية الجودة المطوّرة من قبل شركات مطورة محترفة لكي تضمن أن العين المرهونة متعاظمة لا متهالكة القيمة بما يجعلها ضمانا حقيقيا لأموالها وأموال المودعين والمستثمرين، وكلنا ثقة بأن حكومة خادم الحرمين الشريفين ـ أيده الله ـ لا يهدأ لها بال حتى توفر الخدمات الأساسية لمواطنيها في أنحاء المملكة كافة.