تصحيح مبرر بين روح المضاربة .. والتغيرات الهيكلية
بعد فترة من الاستقرار يحاول سوق الأسهم السعودي تصحيح نفسه ومساره، ما يتزامن مع سلسلة من الطروحات الجديدة غير المسبوقة التي أعقبت النزول الحاد في شباط (فبراير) من هذا العام.
ولكي نضع الأمور في نصابها يجب ملاحظة أن المؤشر سجل ارتفاعا أكثر من 33 في المائة كمعدل تراكمي في السنوات الأربع الماضية حتى بعد هذا التصحيح المريع "إذا افترضنا ارتفاع المؤشر من 2500 إلى ثمانية آلاف فقط"، وهذا يعتبر نموا مغريا بأي معيار عالمي. لسنا بصدد مناقشة فقاعة الأسهم، فقد سبق أن ناقشناها على هذه الصفحات عندما وصل المؤشر إلى مستوى أكثر من 20 ألف نقطة في أيام قليلة قبل أن يبدأ مشوار النزول. لكن الموضوع هنا هو محاولة قراءة الوضع الراهن من خلال الفرز بين الهيكلي ذي الطابع بعيد المدى، وفيما يتعلق بروح المضاربة والظروف الاستثنائية في سوق المال السعودي.
صغر قاعدة الأسهم تسبب في مفاجأة القائمين على سوق المال بقوة الطلب "ازدياد العرض النقدي في النظام المالي ـ سيولة"، مما رفع المؤشر إلى مستويات غير متوازنة مع واقع أداء الشركات التشغيلي. واليوم وبعد سلسلة من الطروحات "المبالغ في تسعيرة بعضها" فإذا بها تفاجئ الكثير من المتعاملين في السوق سواء مستثمرين أو مضاربين بتوسيع القاعدة وتعديل وقت عمل السوق، ما يساعد في نقل حركة السوق من سياق الحالة الفردية إلى سياق الحالة المؤسساتية ومن مضاربية إلى مهنية أكثر.
إن مرونة هيئة سوق المال في زيادة الشركات المطروحة في وقت قصير نسبيا ستسهم بالتأكيد في إيجاد تغير هيكلي، والذي بدوره سوف يأخذ السوق السعودي إلى مجال أرحب ويجعل من سوق رأس المال معيارا وقناة مؤاتية للقيام بدور فاعل في الاقتصاد.
لعل هناك موروث ثقافياً مرتبطاً بحب روح المضاربة من ناحية، وفقدان بعض نواحي التسلية من ناحية أخرى، ولعل هناك زاوية اقتصادية مرتبطة بطبيعة الاقتصاد الريعي الذي جنى البعض فيه أموالا دون جهد كثير، ما تسبب في عدم تقدير البعض منهم للمخاطر المترتبة على بعض نواحي الاستثمار.
إحدى الظواهر المعروفة في سوق رأس المال هي مبالغتها في الصعود أو النزول، ولكنها على المديين البعيد والمتوسط لا تبتعد كثيرا عن قوة جاذبية العوامل الاقتصادية الموضوعية والأداء التشغيلي للشركات في هذه البلاد أو تلك، لأنه مهما قيل عن الخصوصية السعودية وأن سوقنا يختلف كثيرا عن غيره من الأسواق ـ فهذه مقولة لم ولن تصمد كثيرا كما هي الحال اليوم.
لا يزال عدد الشركات المطروحة في السوق السعودي قليلاً قياسا على حجم الاقتصاد ومقارنة بالدول المماثلة في درجة التطور الاقتصادي، فهناك اقتصاد دول مشابه لاقتصاد المملكة (لديها 500 شركة)، لذلك ما زال هناك مجال واسع لبناء قاعدة أكبر وأعمق وأكثر تنوعا. ولذلك فنحن مقبلون على تغير نوعي وكمي، وهذا شيء إيجابي وسيخدم الاقتصاد في المدى الطويل. هذه البيئة الجديدة لن تروق لمضاربين لعدم ملاءمتها تحقيق ربح سهل وكبير في فترة قياسية، ولكنه على كل حال هو واقع جديد، وسيصعب أن يعيد التاريخ نفسه في المدى المنظور، في حالة استمرار هيئة سوق المال وملاك الشركات والوسط الاقتصادي والمالي في المملكة في طرح شركات جديدة للاكتتاب العام إلى أن نصل إلى درجة أعلى من التوازن.
عندما يصل عدد الشركات إلى بضع مئات سيصبح التميز وقراءة القوائم المالية والدور المهني لشركات توظيف الأموال أوضح، وهذا سيسهم في تقنين رأس المال وتوجيهه إلى المجال الاستثماري الأكثر عطاء، ولعل أحد المستفيدين من ذلك هو سوق العقار، الذي بدأ في التحوّل من أطر عشوائية إلى أطر أكثر مهنية من خلال تطوير القنوات الاستثمارية وتوثيق المعاملات والربط بين الاستثمار والدخل. أحد الأدوار المهمة لأسواق المال هو المفاضلة بين العائد والمخاطرة للتدليل على الاستخدام الأمثل لرأس المال، ولعل هذا تغير نوعي هيكلي مهم في المدى البعيد. كذلك هناك تطور إيجابي هيكلي آخر في عدم تدخل الحكومة في حركة السوق هذه المرة، ما أعطى السوق مصداقية أكثر.
لا شك أنه في المدى القصير سوف يكون هناك ضحايا، ولكن سيستفيد الجميع في المديين المتوسط والبعيد من خلال القضاء على فرصة المضاربة غير المجدية وإعادة سوق المال إلى موقعه الصحيح في التركيبة الاقتصادية، وليس المراد هنا تخمين أين سيكون المؤشر بعد عدة أشهر أو سنوات. ولكن زمن زخم الارتفاع غير المبرر قد ولّى وفاز بها من فاز وتعلم منها مَن تعلم إلى حين طفرة أخرى في مجال آخر.