التنمية الإدارية.. عندما يُعمل بما يُكتب ويُكتب ما يُعمل
إذا كان هناك من عائق للتنمية الاقتصادية والاجتماعية فهو تعثر النظام الإداري في تحويل السياسات الحكومية إلى برامج ومشاريع تستجيب لمتطلبات المجتمع بكفاءة وفاعلية. والحديث عن الإدارة العامة وقدرتها على إحداث التغيرات الاقتصادية والاجتماعية والإسهام في نقل المجتمع إلى مستويات أعلى من التحضر الاجتماعي والرقي الاقتصادي، هو حديث في غاية الأهمية. إذ إن تقييم أداء الأجهزة الإدارية الحكومية يتطلب أن يستند إلى أي مدى تم تحقيق الأهداف الاستراتيجية. ومن هنا يكون التساؤل: هل لدى الإدارات الحكومية استراتيجيات؟ وهل الأنظمة والإجراءات والهياكل الإدارية متسقة مع هذه الأهداف؟ وهل هناك التزام بتطبيق هذه الأنظمة والإجراءات؟ أخشى أن معظم الأنظمة واللوائح الإدارية تحتاج إلى إعادة صياغة وتجديد ونفض الغبار عنها حتى تتوافق مع المتغيرات والمستجدات في المجتمع. فهناك تحولات كبيرة نشهدها على الساحتين المحلية والدولية تتطلب أساليب إدارية جديدة للتعامل معها حتى نتمكن من استيعابها والسيطرة عليها. لم يعد بالإمكان الثبات على أنظمة إدارية بطيئة لا تعيش واقعنا الجديد ولا تتماشى مع الوقع السريع لما يدور حولنا. فهذه تقنيات الاتصال تتداخل في كل دقائق أمورنا الحياتية وتفرض نفسها كنمط جديد للحياة، قد تكون ثورة شبكة المعلومات العالمية Internet والانقلاب الذي أحدثته في حياة الكثيرين دليلاً حياً ومشاهداً لم يكن أحدا يتوقعه أو على أقل تقدير انتشارها بهذه السرعة. ومع هذا فالإدارات الحكومية ما زالت على نفس النمط والرتابة في إنهاء معاملات المراجعين، ليس فقط من ناحية استمرارية اللا وعي الإداري والإبقاء على النظام ذاته الذي عفا عليه الزمن وتجاوزه (فإلى الآن تُطلب صور للأوراق الرسمية ودسها في "الملف العلاقي الأخضر" في كل حين حتى ولو للمعاملة نفسها)، ولكن أيضا التعامل الشخصي غير المبني على معايير مهنية ونظامية محددة. فلا يعمل بما هو مكتوب ولا يكتب ما يعمل. فتطبيق الإجراءات تتغير حسب الموظف وحسب المراجع، فليس هناك التزام بالنظام! وكيف ذاك ومواد النظام تتسع لكل التفسيرات وبكل اتجاه، بل إن جميع الأنظمة تذيل بالاستثناءات لتنقضها عن بكرة أبيها! إن عدم احترام النظام وعدم تطبيقه من قبل الموظفين ناتج من عدم واقعيته ودقته ومهنيته إضافة إلى الإخلال بتطبيقه ممن وضعوه في المقام الأول! لقد قيل قديما "إذا أردت أن تطاع فاطلب المستطاع" وهذا عكس حال بعض الأنظمة الإدارية فكأنما هي وضعت لتخالف من الجميع ولا تتبع، لأنه لا يمكن تطبيقها إما لصعوبتها أو عدم فهمها أو أنها لا تحاكي الواقع ولا تمت له بصلة ولا تستجيب للمعطيات الجديدة. وحتى في ظل هذه الأنظمة القاصرة نجد أن بعض الموظفين يتعالى على المراجعين ويبخل عليهم بالمعلومات والتعريف بالإجراءات فتضيع مصالحهم وأوقاتهم بالمراجعات المملة فيتساءلون حينئذ، لماذا كل ذلك التعذيب الإداري؟! فيكون الجواب إن النظام لا يحمي الجاهلين به! ولكن أليس النظام وضع لحمايتنا ومن أجلنا نحن الغافلين في المقام الأول؟!
لا نستطيع الانتقال إلى آفاق أوسع ومراتب متقدمة من التقدم الاقتصادي والاجتماعي واللحاق بركب الحضارة والتطور الصناعي بمؤسسات ونظم إدارية مهترئة تعطل المشروع التنموي ولا تتفق مع تطلعات الناس وطموحاتهم. قد لا يكون الوقت متأخرا كثيرا في إعادة صياغة النظم الإدارية لتكون مبنية على الثقة والإبداع والابتكار والمبادرة في إيجاد حلول جديدة واستباق الأحداث بدلا من مفهوم الاستكانة والإبقاء على الأشياء كما هي وعمل الحد الأدنى من العمل ورفض التغيير واجترار الروتين حتى أصبح هناك كلمات وعبارات إدارية تردد في أروقة البيروقراطيات العامة افتقدت معناها مع مرور الزمن مثل: "عمل اللازم!"، "اتخاذ الإجراء اللازم!"، "لا مانع حسب النظام!"، إذا كان الجميع يعلم النظام وما يلزم عمله فلماذا لم يعمل بذلك مسبقا دون الحاجة لإضاعة الوقت بالتوجيه وعرضها على السيد المسؤول..! إن معظم من هم داخل البيروقراطيات يعملون مختبئين وراء أكوام من المعاملات والأوراق والملفات المنتفخة التي ظاهرها المتابعة والحذر والرقابة وباطنها التسيب واللا مبالاة وعدم الثقة والتخلف الإداري. لماذا كل هذه التعقيدات الإدارية؟ ولا أقول الإجراءات البيروقراطية لأنها بريئة من كل هذا العبث الإداري! ولصالح من؟! بل من المتضرر منها؟! بطبيعة الحال المجتمع بأسر دون استثناء! ولكن بدرجات متفاوتة! لقد حان الوقت أن نفيق من سباتنا الإداري العميق ونتنبه إلى ما نحن فيه من أزمة إدارية. أزمة خفية لم ندركها بعد لأننا نعيش في وسطها فاعتدنا ركودها وبطئها. أزمة لا تتعلق فقط بانخفاض مستوى الأداء كما ونوعا، ولكن الأخطر أننا لم نستطع عبر هذه السنوات الطويلة من العمل الإداري بناء الخبرة والدراية الإدارية التي تمكننا من مواجهة التحديات والتعامل مع المستجدات. إنها الخبرات الإدارية المتصلة بالتخطيط والتنظيم والقيادة والرقابة وإدارة التغيير ومعالجة الخلافات وبناء المؤسسات. إنها الخبرة التي تأتي من خوض تجارب عملية جديدة ومحاولات جريئة دؤوبة لإيجاد أوضاع اجتماعية واقتصادية تلبي الاحتياجات وتبني قدرات وإمكانات المجتمع. خبرة ترشدنا إلى الاتجاه الصحيح في بناء أنظمتنا الإدارية وتجديد مفاهيمنا وتصوراتنا وفلسفتنا وإحداث التغييرات المطلوبة والتطوير واستشراف المستقبل.
إن الاعتراف بوجود أزمة إدارية هو أول خطوات حلها، وهي بلا شك واضحة ولها شواهد ومظاهر كثيرة، فعندما يستجدي المراجع الخدمة استجداء الذليل فهناك أزمة، عندما يبحث المراجع عن الخدمة بدلا من أن تبحث عنه هناك أزمة، عندما يكون الوقت لا قيمة له فهناك أزمة، عندما لا يحاسب المقصرون في أداء أعمالهم فهناك أزمة، عندما لا يهتم الموظف لأمر المراجعين بينما هناك الألوف يتمنون وظيفته هناك أزمة، عندما لا يستنكف الموظف من مقولة "راجعنا يوم غد (بكرة)" مع أن إنهاء المعاملة لا يستغرق إلا دقائق معدودات هناك أزمة، عندما يكون تقييم أداء الموظف لا يمت بصلة لأدائه هناك أزمة. هذا كله يمكن رده في معظم الأحيان إلى غياب نظام متكامل يوضح جميع الإجراءات بدقة ونماذج مفصلة، ومعايير مهنية، وأهداف سلوكية، هدفها الوصول بخدمة المواطن إلى أعلى مراتبها بكل احترام وتقدير ومهنية عالية. لقد حان الوقت لزرع مبدأ الثقة والاعتماد على النتائج حتى يتخلى الجميع عن حالة الحذر والشك والريبة التي أدت بنا إلى التوقف عن العمل بجدية والتراخي والتحول إلى البيات الشتوي. إن كل عمل لا يرتبط بأهداف استراتيجية وخطة عمل ونتائج محددة سيكون مصيره الفشل. لقد حان الوقت أن ندرك تماما ومن البداية لما نعمل الأشياء بطريقة ما والنتيجة المتوخاة من هذا العمل. إنه الوعي بكل تفاصيل الإجراءات الإدارية والمعرفة التامة بالمعنى والمغزى من الجهد المبذول في هذا الاتجاه أو ذاك. أخشى أن الكثيرين من الموظفين في الأجهزة الحكومية لا يدركون حقيقة عملهم ولا إسهاماتهم الفردية في الوصول إلى أهداف الجهاز الاستراتيجية، بل أذهب إلى أبعد من ذلك أن الكثيرين لا يعرفون استراتيجية الجهاز. الكل مشغول بالأداء الروتيني اليومي حتى أضحى دون معنى واضح لننتقل من الوعي إلى اللا وعي، تماما كمن يردد كلمة عدة مرات حتى تتحول إلى صوت دون معنى محدد!
ما علينا فعله هو تقنين العمل والالتزام بإجراءات إدارية واضحة موثقة مبنية على ما نود تحقيقه من أهداف. إن الأنظمة الإدارية هي وسائل وليست أهدافا بحد ذاتها ومتى ما أدركنا ذلك كان علينا دائما وأبدا مراجعتها للتأكد من أنها ما زالت تحقق الغرض منها وإلا يصار إلى تعديلها وتحسينها، وفي الوقت ذاته التأكد من تطبيقها تطبيقا مهنيا صارما عادلا من أجل الناس وراحتهم. ولذا متى اشتكى الناس من قصورها تتم دراستها وإعادة صياغتها، بل يجب عدم انتظار شكواهم والمبادرة باستشفاف آرائهم من حين إلى آخر والتعرف على موقفهم منها وتطويرها بما يتناسب مع تطلعاتهم.
أستاذ الإدارة العامة المشارك