اكتتابات ... مع وقف التنفيذ
تتكون أي سوق مالية في العالم من سوق أولي (يعرف بسوق الإصدارات الأولية) وسوق ثانوي (يعرف بسوق التداول) يعملان جنبا إلى جنب لتحقيق الأهداف الاستراتيجية للسوق المالية، حيث تتركز الاكتتابات و الإصدارات في السوق الأولي وتتركز عمليات الشراء والبيع اليومية في السوق الثانوي. يتم قياس مدى تطور أي سوق مالية من خلال معايير متعارف عليها من أهمها: (1) مستوى التنظيم والرقابة (2) درجة كفاءة السوق (3) القيمة السوقية الإجمالية (4) قطاعات السوق ومدى تمثيلها للاقتصاد (5) حجم الشركات المدرجة من حيث الأصول والمبيعات (6) أداء الشركات المدرجة من حيث التقييم والنمو.
لقياس عمق الأسواق المالية، يتم استخدام معايير مختلفة من أهمها: (1) عدد الشركات المدرجة (2) العدد الإجمالي للأسهم المتداولة (3) حجم/ قيمة التداول اليومية (4) عدد الصفقات اليومية، وهنا يجب ألاَّ نخلط بين معايير تطور الأسواق ومعايير عمقها حيث إن البعض يتعامل مع "عدد الشركات المدرجة" على أنها معيار لتطور السوق مما يعني انحرافا واضحا في الاستراتيجيات التي يجب أن تركز أولا على معايير تطور السوق المالية ثم التركيز على معايير عمقها.
إن الإطار الصحيح لسوق الإصدارات الأولية ينحصر في تأسيس شركات جديدة أو في تحول شركات قائمة من ملكية خاصة إلى ملكية عامة من خلال عملية لرفع رأس المال حيث تذهب متحصلات الاكتتاب في الحالتين إلى حقوق المساهمين في هذه الشركات مما يعني توسعاً حقيقياً في الأصول وفي توظيف الموارد الطبيعية والبشرية. في المقابل، نجد أن استراتيجية التخارج بين المؤسسين والمكتتبين لا تنطوي على توسع في الأصول أو في الموارد بل هي في الحقيقة استنزافا للعرض النقدي الذي يعتبر أمانة موكلة بيد المسؤولين في مؤسسة النقد العربي السعودي وهيئة السوق المالية يجب توجيهه دائما لخدمة الاقتصاد الوطني.
عند دراسة الاكتتابات في سوقنا المالية، نجد أن جميعها اتبع استراتيجية التخارج (باستثناء شركة البولي بروبلين المتقدمة) وهي استراتيجية لا تقدم أي قيمة مضافة للاقتصاد لأنها لا تخدم إلا المؤسسين البائعين. في الإطار نفسه، نجد أيضا وجود ارتباط ايجابي بين تاريخ الإعلان عن هذه الاكتتابات وتاريخ بعض الانخفاضات في القيمة السوقية الإجمالية إلا أن الأهم من ذلك هو ظهور مشكلات رئيسية في سوق الإصدارات الأولية تتلخص في الآتي:
1. صغر حجم بعض الشركات المدرجة حديثا في السوق (حيث إن رأسمال بعضها لا يتجاوز 400 مليون ريال فقط) مما يدل على أن إدراج هذه الشركات الصغيرة لا يعكس بأي حال قوة ومتانة الاقتصاد الوطني، ولنتساءل هنا: لماذا لا تعطى الأولوية للشركات العملاقة التي تعكس قوة وصلابة اقتصادنا بدلا من سياسة "المكتمل أولاً يدرج أولاً"؟
2. المخاطر الائتمانية المرتفعة لبعض هذه الشركات و التي تجاوزت قيمة المديونية فيها إجمالي رأس المال مما يعني زيادة في عدد الشركات المثقلة بالديون في السوق، والسؤال الآخر: ما موقف الهيئة فيما لو واجهت إحدى هذه الشركات مخاطر الإفلاس؟
3. قيام بعض الشركات بتغييرات جوهرية في هيكلة رأس المال لأسباب غير منطقية بهدف زيادة عدد الأسهم المطروحة للاكتتاب وهذا يضع أكثر من علامة استفهام!!
4. التقييم المرتفع لعلاوات الإصدار ووصول السعر السوقي لأسهم معظم الاكتتابات لمستويات أقل من سعر الطرح مما يعني تحقيق المكتتبين خسائر نتيجة لاكتتابهم في هذه الشركات. ولنتساءل: أين المستشارون الماليون الذين كانوا يدافعون عن عدالة تسعير علاوات الإصدار؟ ولماذا لا يقومون الآن بالشراء طالما أن الأسعار السوقية اقل من القيمة العادلة؟
5. مماطلة بعض الشركات في استكمال إجراءات الإدراج لتفادي تداول السهم بأقل من سعر الطرح مما يضع هيئة السوق المالية في موقف محرج، وسؤالي: ما موقف الهيئة مع المكتتبين فيما لو تأخرت إجراءات الإدراج لأسابيع أو لأشهر؟
6. وصول سوق الإصدارات الأولية لمرحلة النضج مما يعني ارتفاع مخاطر تغطية الاكتتابات على البنوك وهذا بدوره يزيد المخاطر على القطاع المصرفي في المملكة و قد يؤدي إلى رفع رسوم الاكتتابات إلا أن هذا الرفع لن يعوق هذه الشركات (بأي حال من الأحوال) عن المضي قدما بسبب متحصلات الاكتتاب المغرية جدا.
7. وجود عدد هائل من الشركات (يفوق عددها عدد الشركات المدرجة أساسا في السوق) التي تنتظر دورها لدخول السوق المالية إضافة إلى عدم وجود توازن بين جدولة الاكتتابات من طرف و نمو العرض النقدي و القيمة السوقية الإجمالية من طرف آخر، ولنتساءل: أين هذه الاكتتابات عندما كانت السوق تحقق ارتفاعات حادة خلال الفترة بين 2003م-2005م؟ هل العدد الهائل من الاكتتابات الجديدة هو توجه لتعويض أخطاء الماضي؟
في ظل هذه السلبيات، نأمل من مسؤولي هيئة السوق المالية الموقرة إعادة النظر تجاه سوق الإصدارات الأولية وتبني فكرة إيقاف الاكتتابات الجديدة مؤقتا لأن الهدف في هذه المرحلة الحرجة يجب أن يكون موجهاً نحو إعادة الثقة بين المستثمرين ونحو دعم القيمة السوقية الإجمالية التي تعاني نزيفا هو الأكبر في تاريخ السوق المالية السعودية و هو بلا شك إجراء مؤقت سبقتنا إليه بعض الأسواق المالية الإقليمية آخذين في الاعتبار أن عمق السوق هو توجه استراتيجي بعيد المدى يحتاج في تطبيقه إلى سنوات طويلة.
نحن نؤمن أن سوق الإصدارات الأولية هي جزء لا يتجزأ من السوق المالية وأنه عند انتهاء الأزمة التي تعانيها السوق المالية حاليا، فإنه يجب إعادة جدولة الاكتتابات الجديدة ولكن ضمن ضوابط ومعايير محددة بهدف تلافي السلبيات القائمة والارتقاء بسوق الإصدارات الأولية مع الأخذ في الاعتبار دراسة عدة اقتراحات منها: الاكتتاب على دفعات والإدراج المباشر للأسهم (كما هو معمول به حاليا في دولة الكويت الشقيقة). وأخيرا تحديد نسبة تخصيص أعلى من الأسهم لأرامل وأبناء شهداء الوطن ولذوي الاحتياجات الخاصة (المعمول بها أيضا في دولة الإمارات الشقيقة).