العوامل البيئية .. عنق الزجاجة والتحدي الأصعب لصناعة التكرير عالميا
تقوم المصافي عادة بتكرير الخام إلى مشتقات تستعمل كوقود لوسائل النقل وللاستعمال المنزلي والاستخدام البتروكيماوي. فمثلاً عام 2004م تم استخدام ثلثي إنتاج المصافي كوقود لوسائل النقل المختلفة (95 في المائة من وقود وسائل النقل في العالم يأتي من المصافي) بينما يتم استخدام الربع في الصناعات المختلفة. ولأن صناعة التكرير هي لاعب رئيس وأساسي في توفير الطاقة لاقتصاد المملكة النامي بقوة، الأمر الذي يجعل دراسة وتحليل هذه الصناعة والنظر العميق في متغيراتها وتطوراتها أمراً شديد الأهمية لبلد مثل المملكة أكبر منتج ومصدر للطاقة النفطية في العالم.
ويجب أن يكون ماثلاً في الأذهان أن صناعة التكرير في العالم أجمع مرتبطة بعضها ببعض، حيث تتأثر بأسعار الخام العالمية مباشرة وتتأثر بتحديد وتغيير خصائص المنتجات. فمثلاً قد تشترط بعض الدول خلط الديزل بنسب معينة من الديزل الحيوي biodiesel، ودول أخرى تشترط خلو الجازولين من مادة MTBE، هذا إضافة إلى نسبة الكبريت المسموح بها في كل من الديزل والجازولين، وهي نسب قد تجلب الكثير من المتاعب لأصحاب صناعة التكرير.
إذاً صناعة التكرير هي صناعة ديناميكية بامتياز وتخضع لعدة عوامل منها تقنية وتشمل التطورات الحديثة في هذه الصناعة، حيث إن أي تطور في تقنيات التكسير مثلاً من شأنه أن يحدث ثورة في صناعة التكرير على مستوى العالم، واقتصادية تتعلق ببساطة بأسعار الخام وأسعار المشتقات النفطية الناتجة عن هذه الصناعة، وأخيراً بيئية وهي تحدد كميات المواد الضارة في كل من الانبعاثات الغازية من المصافي، وأيضاً كمياتها في المنتجات الثمينة كالجازولين والديزل. وتعتبر العوامل البيئية في الوقت الراهن عنق زجاجة والتحدي الأصعب لهذه الصناعة خاصة مع التشدد العالمي في وضع المعايير البيئية سنة بعد سنة.
تشير التقارير العالمية إلى نمو مستمر في إنتاج النفط في كل من دول الخليج العربي ودول إفريقية أهمها ليبيا وأنجولا ونيجيريا. وتتوقع الدراسات أن تزيد هذه الدول إنتاجها من 30.5 مليون برميل يومياً عام 2001 إلى نحو 37.5 مليون برميل يومياً بحلول عام 2010. وستشكل المملكة الدولة الأهم من كل هذه الدول المصدرة للنفط لتصل نسبتها إلى أكثر من 31 في المائة من إجمالي إنتاج هذه الدول.
وعادة ما يرافق النمو في الطاقة الإنتاجية للنفط نمواً في الطاقة التكريرية أيضاً وفي هذا الصدد لابد من ذكر حقيقة تردد وإحجام الدول الصناعية الكبرى كالولايات المتحدة (لم تنشأ مصفاة جديدة في الولايات المتحدة منذ 30 عاما وأعداد المصافي فيها في تناقص) ودول الاتحاد الأوروبي على الاستثمار في صناعة تكرير النفط لأسباب بيئية واستراتيجية واقتصادية.
ويجدر بالذكر هنا أن صناعة التكرير في أمريكا تعاني من صعوبات كبيرة، منها الالتزام بالمعايير البيئية التي أقرها الكونجرس على منتجات المصافي مثل الديزل والجازولين، وعلى الانبعاثات الغازية من المصافي، الأمر الذي كان له تأثيرا كبيرا على ربحية المصافي، حيث إن الالتزام بهذه المعايير الصارمة له قيمة باهظة الثمن. فمثلاً تقدر وكالة معلومات الطاقة الأمريكية EIA ثمن تقليص نسبة الكبريت إلى محتوى منخفض جداً في الديزل إلى ثمانية مليارات دولار. وقد يكلف تقليص نسبة الكبريت أيضاً في الجازولين مثل هذا المبلغ، ما جعل هذه الاستحقاقات البيئية تهدد مستقبل صناعة التكرير في أمريكا، حيث إن EIA تتوقع بحلول 2025 أن تستورد أمريكا الكثير من المشتقات النفطية من العالم الخارجي.
الاستهلاك العالمي للنفط في تزايد مستمر، فقد نما الطلب العالمي للنفط من 75 مليون برميل يومياً عام 2000م إلى أكثر من 90 مليون برميل يوميا بحلول عام 2010م (بحسب توقعات "أوبك")، أي أنه في ظرف عشر سنوات قد تشهد أسواق النفط زيادة في التداول بمقدار 15 مليون برميل يوميا.
وتبقى المشكلة التي باتت تؤرق الدول الصناعية أنه لا يوجد توسع في الصناعات التكريرية العالمية، بحيث تواكب الزيادة في الطلب على النفط. وقد وصلت المصافي في كثير من دول العالم إلى طاقتها القصوى ولن تستطيع تكرير المزيد من النفط لإنتاج المشتقات المهمة كوقود وسائل النقل (جازولين، ديزل، وكيروسين)، وغازات للصناعات البتروكيماوية مثل الإيثيلين والبروبيلين وزيت الوقود الذي يستعمل كمولد للطاقة ووقود للناقلات البحرية العملاقة. ويخشى الغرب أن زيادة إنتاج الخام وحده لن يساعد على استقرار أسعار النفط ما لم يرافقه زيادة مماثلة في طاقات العالم التكريرية، ما يعني زيادة في إنتاج المشتقات النفطية المطلوبة عالميا.
ويرى المحللون أن دول الخليج العربي والدول الإفريقية المذكورة أعلاه ستزيد طاقتها التكريرية من 9.5 مليون برميل يومياً عام 2001م إلى نحو 15 مليون برميل يومياً بحلول عام 2010م، وهذا بفضل التوسعات التكريرية التي تشهدها إيران، أنجولا، الجزائر، عمان، الكويت، والسعودية، حيث إن معظم هذه الدول قد أعلنت عن مشاريعها المستقبلية بشأن زيادة طاقتها التكريرية. وما يهمنا في هذا المجال هو أن نسبة المملكة التكريرية (مع اعتبار دور المصافي الجديدة في الجبيل وينبع) من إجمالي التكرير لدى هذه الدول تصل إلى نحو 23 في المائة، وهي أقل من نسبتها الإنتاجية والتي تصل إلى أكثر من 31 في المائة من إجمالي الإنتاج النفطي لهذه الدول.
والحقيقة أن الطلب العالمي على المشتقات النفطية بأنواعها في تزايد مستمر بدافع النمو الاقتصادي والسكاني الذي يشهده العالم، ويبدو أنه على الأرجح ألا خوف من الاستثمار في صناعة تكرير النفط وإنشاء المصافي، ولو أنها باهظة التكاليف، والعائد الاستثماري قد لا يكون سريعاً كما هو في بعض الصناعات الأخرى. فعلى سبيل المثال فإن المصفاتين المزمع إقامتهما في الجبيل وينبع بالشراكة مع "كونكو فيلبس" و"توتال" قد تكلف نحو 12 مليار دولار، وهي قيمة عالية، ولكي تمول من البنوك والمؤسسات التمويلية لا بد من وجود دراسات جدوى دقيقة لحاجة العالم وطلبه على المشتقات التي تنتجها هذه المصافي. وجميع الدراسات تشير إلى أن صناعة تكرير النفط هي في أحسن حالاتها ومن المتوقع لها أن تستمر في الازدهار على المديين القريب والمتوسط، وأن كل المؤشرات تدل على عدم وجود تقلص في الطلب العالمي على مشتقات النفط، بل على العكس هو في تزايد مستمر.
ونتيجة لتوقع ازدهار صناعة التكرير في منطقة الخليج العربي، وما تعنيه هذه الصناعة كمصدر طاقة للعالم، أود أن أذكر في هذا المقام ما أوردته نشرة الغاز والنفط في الشرق الأوسط وإفريقيا التي تصدر من لندن، (عدد أكتوبر 2006) إلى أنه نتيجة لوجود هذه التوسعات التكريرية في بلدان الشرق الأوسط دون توسعات مشابهة لها في الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي والدول الآسيوية الرئيسة في صناعة التكرير مثل سنغافورة، فإن دول الشرق الأوسط هذه قد تجد نفسها تمتلك زمام المبادرة والتحكم ليس فقط بالنفط الخام وتصديره وإنتاجه، بل أيضاً في تكريره وتصدير مشتقاته التي تشكل الدم الذي يجري في شريان العالم والقوة التي تدفع بعجلة اقتصاده ونموه. وترى النشرة أن مثل هذا الوضع قد يضع بعض القوة بأيدي قادة هذه الدول، الأمر الذي سيثير حفيظة الغرب ويجعله راغباً في وجود دول أخرى تكون قادرة على تكرير النفط وإنتاج مشتقاته جنباً إلى جنب دول الخليج العربي وإفريقيا، أي أن الغرب لا يريد أن يتوسع في صناعة التكرير خوفاً على تلوث بيئته ولا يحبذ تزعم الشرق الأوسط صناعة التكرير في العالم.
وأعتقد جازماً أن ليس هنالك أي مبرر لمثل هذا القلق، إذ إن معظم هذه الصناعات التكريرية تقام بشراكات غربية. فمثلاً المصافي الجديدة في المملكة تقام بالشراكة مع شركة أمريكية وأخرى فرنسية، وهناك أيضاً مصفاتان في كلاً من الجبيل وينبع بالشراكة مع "شل" و"إكسون موبيل" الأمر الذي يدل على انفتاح صناعة تكرير النفط في المملكة على العالم وبحثها الدؤوب عن الشراكة المفيدة لها ولشركائها.
ومن الجدير ذكره ونحن بصدد صناعة التكرير في المملكة، هو أهمية الانتشار عالميا، أي تبني سياسة المشاركة في ملكية المصانع والمصافي في الدول الأكثر استهلاكاً للمشتقات النفطية مثل الصين والهند، إذ إن كل المؤشرات تشير إلى تصاعد طلب هذه الدول الهائل لهذه المنتجات ولا سيما أن 50 في المائة من تصديرنا للنفط ومشتقاته يذهب إلى دول آسيا، إذ إن المشاركة في ملكية مثل هذه المصافي من شأنه أن يهيكل هذه المصافي لتناسب طبيعة بعض نوعيات الخام السعودي الأقل جودة حيث الكثافة ونسبة الكبريت العاليتين، ما يؤدي إلى منافع عديدة أهمها ضمان سوق مستمرة لهذا النوع من الخام السعودي وعائد استثماري رائع، إضافة إلى الاقتراب من الأسواق العالمية والاستفادة من الأيدي العاملة الرخيصة في تلك البلدان.
ولا يفوتنا أن نذكر أن "أرامكو السعودية" تمتلك حصصا في مصاف عديدة في العالم، مثل: الفلبين، الصين، اليابان، كوريا الجنوبية، وأمريكا، بالشراكة مع شركات نفط كبرى مثل "إكسون موبيل" و"صينوبك" الصينية، ويحدونا الأمل أن تكثر أرامكو من مثل هذه الشراكات في الدول الآسيوية الأخرى لما في ذلك من النفع الكبير.
* أكاديمي متخصص في صناعة تكرير النفط والبتروكيماويات ـ الظهران
[email protected]