هل يمكن أسلمة "الرأسمالية الكافرة"؟!

سؤال غريب ولكننا نمارسه على أرض الواقع بشكل غير مباشر: السؤال هو: هل الرأسمالية التي نعيشها في المملكة بمختلف أوجهها هي النظام الذي نرتضيه كأسلوب حياة؟ هل لدينا رؤية عن النظام الذي نريد أن نتبناه لنا ولأجيالنا المقبلة وللأمم الإسلامية الأخرى كأمة رائدة إذا لم تكن الرأسمالية هي المراد؟ أم أننا لا ندري ما الذي نريده لا لأنفسنا ولا لأولادنا؟ هل نحن مجبرون على الرأسمالية الغربية وليس لدينا خيارات كثيرة لذلك نقوم بالترقيع والتعديل في بعض أجزائها، وهم (أي الغرب) يتغنون بتوقف التأريخ عند رأسماليتهم كما يزعمون؟ آمل ألا يصف أحد تلك الأسئلة بالهرطقة التي لا طائل منها. ولو فكرنا قليلا لوجدنا أننا أمام تحديات صعبة حتى لو لم نتخذ التدابير اللازمة لمواجهتها كما هو الحال في معظم أمور حياتنا الخاصة والعامة!!!
أحد مسببات طرح الموضوع في هذا التوقيت هو أننا وبالذات في السنوات الأخيرة محليا بدأت ظاهرة التحليل والتحريم في كثير من جوانب حياتنا الاقتصادية تأخذ حيزا كبيرا من الاهتمام! وهي أيضا أصبحت تعني الكثير للمسؤولين على اختلاف مستوياتهم، حيث إن معظم الأمور التي يتحدثون عنها أصبحوا يغلفونها بغلاف إسلامي ويؤكدون أنها متوافقة مع الشريعة بطريقة أو أخرى وبالذات أرباب الشركات المساهمة، وكذلك اتجهت جميع جهات التمويل إلى إعطاء صبغة إسلامية لمنتجاتها التمويلية من مرابحة وتورق وغيرهما من صيغ التمويل الإسلامية. والشركات التي تُطرح للاكتتاب أصبحت تؤكد أن عملياتها وقروضها مجازة شرعا. كما يسعى العديد من الشركات التي لديها تسهيلات قائمة لا تتوافق مع الشريعة حسب فهم البعض لها إلى تحويلها إلى صيغ شرعية. إن هذه الظاهرة لم تكن موجودة لعقود ماضية طويلة حتى أيام الحرب بين الإلحاد والإيمان مع الحقبة الشيوعية رغم أن الجميع جيش لهذه المسألة.
كذلك ورد الكثير من الأخبار الاقتصادية في الآونة الأخيرة عن بنوك عالمية مثل UBS وHSBC وغيرهما تتحدث عن نيتها تطوير منتجات وصكوك إسلامية موجهة لشريحة معينة "مسلمة" وكذلك وجدتها العديد من الجهات الدولية منفذا جديدا لتطوير أدوات استثمار جديدة لعملائها حتى صناديق التحوط التي يحيطها الكثير من الغموض.
وهذا شيء جميل وجيد لنا كمسلمين في أن يكون لنا تأثير على الاقتصاد العالمي فيما يتعلق بالشكل الذي يمكن أن يتم من خلاله تطوير منتجات استثمارية وتمويلية رغم حالة السبات التي نعيشها منذ قرون. وقد ذكرت بعض التقارير الحديثة أن موجودات البنوك الإسلامية اقتربت من حاجز 600 مليار دولار أمريكي، فيما لم تتجاوز تلك الموجودات في عام 2003م مبلغ 200 مليار دولار أمريكي. وبالمناسبة الرقم لا يعتبر في المقاييس الدولية كبيراً، حيث إن بعض التقارير الحديثة تحدثت عن ثروات خليجية لأكثر من 250 ألف ثري تتجاوز قيمتها تريليوني دولار.
والنقطة الجوهرية هنا أن الرأسمالية موجودة ونمارسها منذ عقود طويلة، فماذا تغير الآن؟ إذا كانت الرأسمالية إنتاج غربي، واكتشفنا أنها حرام، فلماذا لا يكون لدينا إبداع ذاتي من خلال طرح منتجات وأدوات اقتصادية إسلامية حقيقية بمفهوم جديد وليس عن طريق أسلمة منتجات رأسمالية من خلال عمليات صورية تحسنية فقط نتيجتها وأثرها الاقتصادي السلبي في كلتا الممارستين واحد؟
وللمزيد من الإيضاح ولإيصال الفكرة لنأخذ مثالا قضية التمويل الشخصي. الذي يحرص الكثيرون ولله الحمد على أن تكون مجازة شرعاً بهدف الابتعاد عن الربا المحرم شرعاً حسب نص الآية القرآنية "وأحل الله البيع وحرم الربا". وهو الأمر الذي حمس عددا من المؤسسات التمويلية بمختلف أشكالها في السنوات القليلة الماضية إلى تحوير منتجاتها للقروض الشخصية إلى صيغ إسلامية متوافقة مع أحكام الشريعة حسب موافقة أعضاء الهيئات الشرعية في تلك المؤسسات ومستشاريها. إذن المسألة ببساطة عرض وطلب من الناحية التسويقية بين الممول وطالب التمويل. ولكنها من الناحية الاقتصادية ـ وهذا بيت القصيد تحتاج إلى تفصيل. هل فكرنا للحظة واحدة بهدف تحريم الربا بنص قرآني واضح وبهذا الشكل والذي يعتمد تعريفه على الزيادة بغير وجه حق؟! وهل الصيغ البديلة حسب تعريفات الهيئات الشرعية التي تعمل بشكل منعزل حققت هذا الهدف والحكمة من تحريم الربا؟
من الناحية الاقتصادية وبإمكان خبراء الاقتصاد اختبار تلك النتيجة وهي أنه لم يتغير شيء على الإطلاق. النتيجة الاقتصادية سواء فيما يتعلق بالاقتصاد الكلي أو على الفرد المقترض هي النتيجة نفسها من ناحية الأعباء ومن ناحية زيادة الاستهلاك في الدورة الاقتصادية الجزئية والكلية. وبالتالي نحن حرمنا شكلا معينا "يعتقد الكثيرون أنه ربا" وحللنا شكل آخر "يعتقد الكثيرون أنه حلال" لتلافي التحريم فقط حتى ولو علمنا أن سبب التحريم لا يزال قائما من الناحية الاقتصادية. ونسينا الحكمة من تحريم الربا وربط التحريم للربا بتحليل البديل وهو التجارة في الآية الكريمة له معنى اقتصادي صريح وواضح.
في مقابل تلك الصيغ الرأسمالية التقليدية نجد أن الصيغ الإسلامية باختلاف أنواع التمويل من مرابحة واستصناع أو سلم وغيرها، إنما هي ممكنة فقط بعد إيجاد نظام اقتصادي إسلامي متكامل، لأن الفكرة الرئيسية فيها هي المشاركة في الربح أو الخسارة في مشاريع حقيقية وليست صورية فقط وعلى الورق لتحليل المحرم أصلا لحكمة وليس لشكل. كمن يقوم ببيع السيارة وهي واقفة في صالة العرض ومن ثم يبيعها المشتري الجديد على مشتر آخر - يكون في الغالب المقرض الأول أو من ينوب عنه - بهدف الحصول على النقدية CASH التي هي الهدف الرئيسي للفرد (قرض استهلاكي).
أتمنى أن نشاهد اقتصاديات إسلامية قائمة على أُطر فقهية حديثة تأخذ التحريم والتحليل في الإسلام من مفهوم إيماني أوسع مما يساعدنا على تطوير اقتصاد إسلامي حقيقي يؤكد للغرب أن التأريخ لم يتوقف عند الرأسمالية والتي هي على المدى المنظور المسيطرة حتى مع الصيغ الإسلامية التي بدأت تنتشر في السنوات الأخيرة لأن نتيجتها ونتيجة القروض حسب مفهوم الفائدة في الرأسمالية واحدة وهو ما يفسر حالات التضخم والمد والجزر في الاقتصاد حتى التي طوعت الرأسمالية لمفهومها الإسلامي. ومما يؤكد وجهة نظري تلك أن السياسات النقدية القائمة على التعامل مع أسعار الفائدة كأداة هي التي تتعامل مع كلا المفهومين الرأسمالي و"الرأسمالية الإسلامية" المستحدثة للتحكم في التضخم أو الانكماش. وما دامت أسعار الفائدة هي المحور الذي يحكم "الرأسمالية الإسلامية" فإنه لا يمكن أن نقول غير أن علينا الانتظار إلى أن يخرج الله لهذه الأمة من يرشدها إلى الطريق الصواب ويطور نظامها الاقتصادي الإسلامي بمفاهيم كاملة وشاملة نابعة من فهم حقيقي للحرام والحلال وحكمة رب العالمين من هذا التحريم للربا والتحليل للتجارة.
وأخيرا خوفي على أمتي أن يجد الغرب ضالته في معالجة سلبيات الرأسمالية التي يعيشها من خلال فهمه الصحيح لبعض الصيغ الإسلامية الاقتصادية التي نرددها ولماذا هي بهذا الشكل أو ذاك قبل أن نكتشفها نحن أصحاب الدين والمدافعين عن حياضه، كما هي حالنا في التعاطي مع اكتشافاتهم في الحقول العلمية المختلفة الأخرى التي نكتفي بأن نقول بعد أن يكتشفها الغرب لهم ولنا إن الله قد ذكرها في القرآن منذ أكثر من 1400 سنة وإنها تدخل في باب الإعجاز العلمي!!! أعتقد أن ذلك يحسب علينا وليس لنا كما يتغنى بذلك البعض. والأمر الذي أنا متأكد منه أن لدينا أساسيات ومفاهيم اقتصاد إسلامي حقيقية ولكنها موضوعة على الرف أو غير مكتشفة، بينما نقوم بترقيع ما يأتينا من الرأسمالية الكافرة وأسلمة بعض جوانبها حسب فهم قاصر وضيق.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي