رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الحرب على التقدم الاقتصادي

yahoo.com@fawazhf

ليس الهدف من هذا العنوان استفزازا أو تهويلا لأحد ولكن تركيز الأذهان والوعي بالمخاطر المحدقة بنا جميعاً في حالة عدم العمل نحو تنمية اقتصادية متوازنة. التنمية الاقتصادية كالسباحة إذا لم تتحرك ببراعة ورشاقة وتخاطر بالبقاء مستقراً فإن مصيرك الغرق. هناك من يحارب التقدم الاقتصادي في المملكة ولعلنا نستعرض هؤلاء الخصوم لكي نتمكن من مقاومتهم ولينتصر الخير على الشر في المجتمع. دعنا جميعاً نكشف عن قناع هؤلاء لكي نخدم البلاد والمجتمع. مما يصعب هذه المهمة تنوع الخصوم فهم مرات أفراد ومرات فكر وموروثات نمطية ومرات أخرى مؤسسات غير قادرة ومرات أخرى أشباح من هذا وذاك، لذلك فالحرب يجب أن ترتقي إلى مستوى التحدي وأن تحارب بإبداع وسرعة خاطفة مرات وصبر وتأن مرات أخرى ولكن دائماً بجدية وحزم.
الخصم الأول هو عدم تحديد هدف تنموي واضح كأن نقول إن هدف المملكة أن تكون بلداً صناعياً متطوراً بعد عشرين أو ثلاثين عاماً، فتحديد هدف واضح يأتي من القيادة ليشحذ الهمم ويجند الجميع ويكرس الجهود. الخطط الخمسية المتعاقبة قامت بدور ما ولكن الزمان تغير والبعض منها لا يتذكرها المواطن العادي أبداً ولم تكن جزءاً من وعيه العام والدور المناط به.
الخصم الثاني الجهاز البيروقراطي الذي استطاع التوسع والتعمق والتعقيد على حساب الإنجاز، فكلما كبر حجمه قل إنجازه وساعد في محاربة التقدم الاقتصادي وحدّ من قدرة أصحاب المبادرات ورجال الأعمال عن القيام بالدور المطلوب منهم أو اضطروا لتجاوز بعض الأنظمة، ولعل أوضح مثال على ذلك هو ميدان العمل والعمال. أحد التكاليف المنظورة هو اضطرار البعض إلى القفز على الجهاز البيروقراطي إما بالواسطة وإما بالرشوة، وهذا يؤدي إلى إيجاد أرض غير مستوية للمنافسة ويزيد الحسد والقيل والقال مما يخلق الشك والريبة، الحل يقع في الإيمان بأن الأصل في الشيء الترخيص والسماح، وتقوية الأجهزة الرقابية لكي تقوم بدور فاعل وسريع.
الخصم الثالث هو قصور الجهاز التعليمي، فأي حديث ومناقشة صريحة مع الأغلبية العظمى من أساتذة الجامعات السعودية تشعر بضعف المؤسسة من ناحية وبعدها عن الواقع العملي في اقتصاد اليوم. ذكر أحد أساتذة كلية العلوم الإدارية في جامعة الملك سعود على سبيل المثال، أن القدرة الاستيعابية لهذه الكلية هي ثلاثة آلاف طالب وطالبة بينما اضطرت الكلية إلى قبول سبعة آلاف ناهيك عن حقيقة ضعف دور اللغة الإنجليزية والقاعدة المعلوماتية والتعليمية. وليست مؤسسة التعليم الفني في وضع أفضل حينما يكون الهدف تفاخرا بأعداد الكليات التقنية دون توافر المكان الصحيح أو الأجهزة والمعدات اللازمة أو المعلم الكفء. هنا الحل واضح في تغليب الكيف على الكم ومحاربة النزعة الطبيعية للمباهاة والعلاقات العامة على حساب المضمون.
الخصم الرابع تداخل رغبة الحكومة الأبوية الصادقة في دعم المواطن في كل النواحي الخدمية مع اقتصاديات هذه الخدمات، ولعل مشاكل شركة الكهرباء الأخيرة هي المثال الأبرز، فالأحرى بنا أن نبني مؤسسات خدمية قائمة على اقتصاديات صحية، مما يسمح باستمراريتها ومرونتها وقابليتها للبناء والتقدم، فك هذه التداخل من خلال دفع الحكومة جميع التزاماتها إلى شركة الكهرباء وغيرها يزيد من الشفافية ويسهل القرار الاقتصادي السليم. هذه ليست دعوة لرفع الدعم عن الخدمات من كهرباء أو ماء أو وقود، بل تقنينها من خلال تقديم الدعم لمن يحتاج إليه فعلياً وليس الجميع.
الخصم الخامس هو الاحتكارات والامتيازات، ولعل أوضح صورها الحاجة إلى رسم بسيط على الأراضي الخالية للمساعدة في تحريك رأس المال وتفعيله، خاصة أن سعر الأرض السكنية يشكل تكلفة باهظة نسبياً من تكلفة السكن، وكذلك زيادة عدد المصارف والبنوك لمزيد من المنافسة وتقديم خدمة أفضل، فتحريك رأس المال وسهولة تحويله من مجال اقتصادي إلى آخر يسهم في إيجاد اقتصاد أكثر حركة وديناميكية.
هناك خصوم آخرون ولكنهم ليسوا في الدرجة نفسها من القوة والعنفوان، وسوف تسهل هزيمتهم بعد أن نكسب هذه الحرب الضروس. لعل البعض يعتقد أننا نعايش حالة احتفالية على أثر أسعار النفط المغرية في السنوات القليلة الماضية ولكن سبق أن عايشنا هذه الفترات لتأتي بعدها سنوات صعبة قد تكون أصعب من مثيلاتها في الماضي. الخوف أن نكسب بعض المعارك هنا وهناك وأن نخسر الحرب، لذلك علينا التخطيط والتعامل مع كل هذه الخصوم بالدرجة نفسها من الجدية والعزم ومعرفة أن هؤلاء الخصوم قادرون على التكيف والاستكانة ثم الرجوع علينا بقوة وعنف.
إن كلاً من هؤلاء الخصوم يستحق مقالة بمفرده، ولكن نظراً لترابط هذه الخصوم وتضافر جهودهم ضد التنمية والتطور الاقتصادي يحتم جمعها في مقالة واحدة توضح مدى الخطر الداهم علينا جميعاً، فمهما استفاد أي منا في المدى القصير من خلال التهادن مع تلك أو ذاك من الخصوم فإننا جميعاً من الخاسرين، وحتى ذلك المتهاون فهو خاسر في المدى البعيد.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي