رسالة الخطأ

  • لم يتم إنشاء الملف.
  • لم يتم إنشاء الملف.


هل أسهمت وسائل التقنية في إضعاف الروابط الأسرية والاجتماعية؟

نستطيع الإجابة بنعم, ومن دون تحفظ, عن السؤال المطروح حول مدى إسهام وسائل التقنية الحديثة بصفة عامة والهاتف المتنقل والكمبيوتر, على الأخص, في إضعاف وتفكيك الروابط الأسرية والاجتماعية, بل والخشية من القضاء عليها تماما, وذلك من خلال مشاهداتنا اليومية, التي تنوب فيها الرسائل الهاتفية عن الاتصال والتواصل والأحاديث المباشرة, فضلا عن التهاني في المناسبات بين الأصدقاء والأقارب والمعارف, وحتى الأهل! وأصبح معظم الناس يكتفي بتلك الرسائل عن الحضور الشخصي, أو المكالمات المباشرة في معظم الأحوال التي تستدعي ذلك, كالتهاني في مناسبات الأعياد والمواسم الدينية والزواج وقدوم المواليد, والدعوات والمناسبات الاجتماعية بعامة, وغدت الوسائل هي الممثل الشخصي لكثير من الناس الذين وجدوا فيها وسيلة سهلة للهروب من الالتزامات, والتحلل من الواجبات, والاكتفاء بها لتسجيل مواقفهم, استجابة لدواعي الكسل والدعة والاستكانة.
ومن يتابع هذه الظواهر يجد أنها تزداد انتشارا يوما بعد آخر, ويكاد استخدامها يعم معظم المناسبات, ولا سيما مناسبات الأعياد, وما مناسبة عيد الفطر الأخير إلا خير شاهد على زيادة الإقبال عليها, واستخدامها حتى بين أطراف لا يليق الاكتفاء بها بينهم, كالأهل والأقارب وكبار السن, ومن تجب زيارتهم ومعايدتهم شخصيا, وما الرسوم الكاريكاتورية التي ظهرت في بعض الصحف مصاحبة المناسبة إلا تعبير عما يجري في الواقع. ومنها من يكتفي, من الشباب, بإرسال رسالة تهنئة لوالده ووالدته بالعيد من فراشه, وهو يظهر الضيق والتبرم من كثرة الواجبات الاجتماعية, لكي يواصل نومه بعد ذلك, ومنهم من يكتفي برسائل أو نموذج لرسالة واحدة يعممها على كل من يعرف, وهو يقصد أن يكون هو البادئ بالتهنئة حتى لو كان ذلك قبل المناسبة بأيام, ظنا منه أنه بهذا يزيح الواجب عن كاهله ويلقيه على الأطراف الأخرى منتظرا منها الرد عليه!
وشبيه بهذا الوضع الرسائل الإلكترونية عن طريق الكمبيوتر أو الإنترنت من خلال ما يسمي E-MAIL, حيث يستعيض كثير من الناس بها عن التواصل والزيارات والأحاديث المباشرة, في لغة هي أشبه ما تكون بلغة الصم والبكم, خالية من متعة الحديث وانطباعات التعبير وانفعالاته!
ولكن دعونا نفكر كيف تسللت هذه الظواهر إلى نفوسنا ومجتمعنا بعد أن كنا مجتمعا يضرب به المثل في التماسك والتراحم والترابط الأسري والوجداني! وهل يعد ذلك من سلبيات التقنية الحديثة التي فرضت نفسها؟ أم يعد ضريبة للتقدم العلمي الذي لم نأخذ منه إلا القشور والسلبيات؟ أم أننا نحن المسؤولون عما يحدث لأننا ركزنا على كل ما هو سلبي وضار في كل ما أتى به العلم والمخترعات الحديثة, فانغمسنا في التلذذ بكل ما هو سهل وميسر ويداعب الوجدان والغرائز من رسائل هاتفية وشرود واسترخاء في جولات عالم الإنترنت؟ فاكتفينا من ذلك بالسلبيات الضارة وتركنا الإيجابيات النافعة, حتى استهوتنا السلبيات وانقدنا لها لأن فيها متعة وتسلية وقتلا للوقت, وإيذاء لمشاعر الآخرين, وهذا مع الأسف هو ما أخذناه وتعلقنا به من التقنية!
انظروا إلى بيوتكم وما فيها من أعداد من أجهزة الهاتف الجوال وأجهزة الكمبيوتر المحمولة وغير المحمولة, وانظروا إلى من يستخدمها من الأفراد, ومعظمهم من الأطفال والمراهقين والشباب من الجنسين الذين لم تكتمل لديهم سمات النضج وعلاماته وصفاته, وتأملوا كيف ينعزلون عن أسرهم وينكبون عليها ليل نهار, يأكلون ويشربون وهم متسمرون أمامها, وتأملوا هل يتم ذلك من أجل العلم والفائدة, أو المساعدة في الدراسة والتحصيل وأداء الواجبات المدرسية؟ أم من أجل المتعة والتسلية والخلوة مع المحظورات؟
وأعتقد أن الإجابة عن مثل هذه التساؤلات معروفة ولا تحتاج إلى إيضاح, وكل صاحبة منزل أو رب أسرة يستطيع استنباطها مما يجري حوله. على أن الضرر لا يقتصر على ذلك فحسب, بل يتعداه إلى تأصيل عادات سيئة لدى الجيل الحالي والأجيال المقبلة في اتجاه التحلل من الالتزامات ونبذ العادات والتقاليد والواجبات الأسرية والاجتماعية شيئا فشيئا حتى ينكروها وربما يعيبون على من يتمسك بها هذا المسلك.
دعونا نتساءل بعد ذلك: لماذا وصلنا إلى هذا المستوى من الانشغال بالجوانب السلبية من وسائل التقنية وقضينا بإرادتنا على كثير من العادات والتقاليد الحميدة؟ وما الذي سيؤول إليه الوضع بعد عقد أو عقدين من الزمن؟ إذا سرنا على النهج نفسه من الافتنان بكل ما هو جديد في عالم التقنية, ليس من أجل الاستفادة منه في تنمية قدراتنا في الإبداع والإنتاج والإسهام في دفع عجلة التنمية الاقتصادية في بلادنا, بل من أجل منحنا مزيدا من الاستسلام للدعة والمتعة والاسترخاء والتسلية إلى حد العبث, فضلا عن إنكار المسؤوليات والتنكر لكثير من العادات والتقاليد بل والواجبات الدينية والاجتماعية واستهجانها, وهذا بلا شك هو ما سيحدث إذا لم نتدارك الوضع بوسائل, منها:
1 ـ مراقبة استخدام الأبناء من قبل الوالدين وسائل التقنية المتاحة لهم, كالكمبيوتر والإنترنت والهاتف الجوال, ومن ذلك زيارتهم في أماكن استخدامهم لها زيارات مفاجئة, وتحديد فترات معينة في اليوم لاستخدامها, إضافة إلى توعيتهم بخطورة المبالغة والإسراف في الاستخدام, وما يؤدي إليه من إضاعة للوقت وإهمال للواجبات المدرسية وغيرها, فضلا عما يترتب عليه من الأضرار الصحية التي أصبحت معروفة وملازمة للإدمان على استخدام تلك الوسائل.
2 ـ التركيز على شمول المناهج الدراسية على أهمية التمسك بالعادات والتقاليد المحمودة, وعلى الالتزام بأداء الواجبات الأسرية والاجتماعية, والإحساس بالمسؤولية لدى الشباب, بما في ذلك طاعة الوالدين واحترامهم وزيارة المرضى والأقارب وكبار السن والأصدقاء, وتهنئتهم في المناسبات والأعياد.
3 ـ إجراء المزيد من البحوث الميدانية من قبل المهتمين ومراكز البحث في الجامعات والجهات الأخرى ذات العلاقة, حول ظاهرة الاستخدام السيئ لوسائل التقنية, وقياس مدى انتشارها وزيادتها عاما بعد آخر, ومستوى خطورتها على الأفراد والمستخدمين والمجتمع, بما في ذلك مدى تأثيرها السلبي في الترابط الأسري والاجتماعي, وعقد ندوات ولقاءات علمية لمناقشة ذلك, مع نشر نتائج البحوث للاستفادة منها.
4 ـ اهتمام وسائل الإعلام من إذاعة وتلفزيون بعقد اللقاءات وإعداد البرامج التي تركز على التوعية بالاستخدام الأمثل لوسائل التقنية والاستفادة منها في الحياة اليومية, وتسخيرها لخدمة الأجيال, وتجنب مضارها وإساءة استخدامها.
والله من وراء القصد.

* كاتب في الشأن العام

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي