السوق المالية وتحدي فترة التداول الجديدة (1 من 2)
تمر صناعة التنبؤ في السوق المالية السعودية بشكل عام والأسهم بشكل خاص بأصعب فتراتها وأكثرها إحراجا وتحديا. فهي تواجه تحدي تقرير الإجابة عن السؤال الصعب في عالم البحث العلمي وصناعة المستقبل: هل المهم الوسيلة أم النتيجة؟ هل المهم كيف تمت عملية التنبؤ (الوسيلة) أم دقته وحدوث الأمور التي تم التنبؤ بها (النتيجة)؟ وهل المهم مطابقة النتائج للواقع أم دقة صناعة النظرية؟ القضية فلسفية في جزء منها وثقافية في الجزء الآخر، لذا فإن أهمية الإجابة عن مثل هذا السؤال وخطورته تنبع من أنها تعبر عن ثقافة المجتمع واتجاه سلوكياته.
لقد حسم الإسلام هذه القضية تماما وجاءت الآيات تؤكد أنه ما من أحد يعرف ماذا سيحدث غدا، وما تدري نفس أين ترزق وأين تموت، واعتبرت زيارة الكهان والعرافين ومدعي علم الغيب كفرا لأنها تكذيب بما قاله الله جل وعلا في كتابه وعلى لسان رسوله، صلى الله عليه وسلم، من أن علم الغيب على وجه اليقين قد اختص الله به نفسه ولم يطلع عليه إلا على من ارتضى من صفوة خلقه. ومع ذلك شرع الإسلام طرق التنبؤ بأحداث المستقبل من خلال فهم الماضي مع عدم ادعاء علم الغيب أو الجزم بنتيجة معينة. فتتبع سنن الله في الأرض واكتشافها لفهم الحاضر والتنبؤ بالمستقبل عمل مشروع، وهكذا تبدو فلسفة التنبؤ في الإسلام تأكيدت لمشروعية الوسيلة ولا تثريب بعد ذلك على النتائج، فهي من خلق الله والله يخلق ما يشاء ولا تعقيب لحكمه.
إنه من المهم معرفة هذه النقطة واعتبارها مسلمة أساسية عند مناقشة طرح أي محلل أو اعتقاده في نقط الارتداد أو المقاومة، وكذلك لا تثريب على هيئة السوق المالية عندما تتخذ قراراتها بعد دراسة واستطلاع وتمحيص، فهي قد اتخذت الوسيلة المشروعة نقلا وعقلا. ومن هذه المسلمة أناقش موضوع فترة التداول الجديدة ليس لنقد الهيئة ولكن لنمنح ذلك القرار فرصة حقيقية للنجاح وتغير مسار السوق المتدهورة. فقرار توحيد فترة التداول يعد قرارا تاريخيا في السوق السعودية لأنه منذ إعلان إنشاء السوق لم يتم التداول أبدا في فترة واحدة ولذلك طال النقاش حول هذا الموضوع وأعطت الهيئة السوق فرصة كبيرة لفهم هذا التغيير وأسبابه ووجهة نظر الهيئة، وتبنى توضيح ذلك معالي الدكتور التويجري بنفسه، وهذا أسلوب جدير بالإشادة لأن عدم مفاجأة السوق أمر في غاية الأهمية، وهي إضافة حقيقية لمعالي المحافظ.
لقد تزايد الطلب أخيرا على توحيد فترة التداول، لكن أن تصبح حقيقة فذلك أمر آخر، ولأن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، وقد قيل إن عليك أن تتأمل فيما تأمل. وهذا ما حدث، فها هي السوق أمام فترة التداول الجديدة وجها لوجه. أؤكد على المسلمة التي أشرت إليها في أعلى هذه المقالة، فالتنبؤ بالأحداث لا يعني المسؤولية عن النتائج. فمن المتوقع أن تواجه السوق مع فترة التداول الجديدة تحديات كبيرة، فقد ألف كبار المضاربين سياسات عدة واستراتيجيات مختلفة وتكتيكات متعددة كلها تتناسب مع فترتين من التداول لا تتجاوز الواحدة منها الساعتين من الزمن. تمرس كبار المضاربين على قراءة مستويات السيولة بعد نصف الساعة الأولى وذلك لاتخاذ قرارا بحجم السيولة المستخدم للساعة المتبقية وتحديد وقت وحجم السيولة للخروج في نصف الساعة الأخير. وتبقى هذه القرارات معتمدة على مختلف المعلومات الواردة للسوق والإشاعات حول احتمال إعلان معين بعد إغلاق الفترة الأولى ودراسة تأثيره على الفترة التالية (إيجابا أو سلبا). لكن الآن ومع الفترة الجديدة فإن كل تلك الممارسات والاستراتيجيات والتكتيكات ستصبح محل اختبار من قبل كبار المضاربين للتأكد من صلاحياتها ومناسبتها للفترة الجديدة، وبالتأكيد يصعب التنبؤ بقراراتهم وجديد استراتيجياتهم.
البنوك من جانب آخر ستواجه تحديا من نوع خاص. فلا شك أن الفترة الجديدة تتطلب تغيرات في أوقات عمل صالات التداول ولكن الأهم من هذا هو قراراتها المتعلقة بأوقات التمويل من خلال الأسهم والتنسيق الضروري بين أعمال البنك المختلفة وبين محافظه وإدارة أصوله من الأوراق المالية ومختلف صناديقه الاستثمارية. كل ذلك يحتاج إلى إعادة النظر في فترات دوام البنوك الحالية لأنه مع مرور الأيام سوف تصبح الفترة المسائية للبنك بلا معنى حقيقي لها، وأعتقد أن على مؤسسة النقد أن توضح وجهة نظرها بهذا الخصوص. أعود للتأكيد على أهمية إنشاء بورصة ذات صالات مستقلة عن البنوك وأعمالها. فقد أصبحت الحاجة ماسة إليها وقرارات الهيئة بحاجة إلى مرونتها واستقلاليتها وخاصة مع دخول وسطاء آخرين مع احترامي لوجهة النظر الإلكترونية في هذا الشأن.
الشركات من جانب آخر عليها أن تدعم الفترة الجديدة من خلال الالتزام بالإعلان عن أخبارها بطريقة واضحة، واختيار الوقت المناسب لذلك بحسب نوعية الإعلان. وهنا تحد إضافي ستواجهه السوق واختبار جديد لكفاءتها. ألفت الشركات استخدام وقت ما بين الفترتين وأول الفترة الثانية للإعلان، وهي فترة أكدت الهيئة كثيرا على صعوبة الاستفسار خلالها من الشركات أو طلب تعديل الإعلانات. وبما أن الفترة الجديدة قد راعت عمل الشركات فإن على هذه الأخيرة أن تستعد فعلا لتحدي الأسئلة والاستفسارات من خلال تعيين متحدث رسمي باسم مجلس الإدارة لديه صلاحية واسعة واطلاع كبير على مجريات الأمور في الشركة وتأثيراتها على السوق. وأما إذا استمرت الأمور على ما هي عليه فإننا سنشهد إعلانات تتبعها إعلانات لتعديل الإعلانات وتوضيحات على التعديلات.
يبقى صغار المستثمرين وأصحاب المحافظ المتوسطة، وعليهم سوف تقع أعباء كل هذه الاختبارات وسوف تحيق بهم النتائج السيئة لها لا قدر الله. معظم فترة التداول تقع في أوقات الدوام الرسمي للموظفين، ولا جدال في حجم التحدي الذي سيواجه الدوائر الرسمية للدولة للتوفيق بين أعمالها ومراجعيها، كما سيتأثر موظفوها بالإعلانات والأخبار الجديدة لأنه لا توجد فترة تالية لاقتناص الفرص. وهنا ستتعرض كفاءة السوق على هذا المستوى من المتداولين إلى ضغوط كبيرة جدا. لذلك من المهم لصغار المتداولين والمحافظ الصغيرة عدم المجازفة في أول أيام التداول الجديدة وعدم خوض غمار المضاربات بتهور. لا بد هنا من السيطرة على رغبات قبول المخاطر، لأن النتائج في ظل هذه التحديات لا يمكن التأكد منها، على الأقل في الأسابيع الأولى من تطبيقات الفترة الجديدة. يتبع