رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الاستثمار في التعليم الخاص

[email protected]

تعايش المملكة إقبالا شديدا على التعليم عموما, خاصة الجامعي, الذي فاق القدرة الاستيعابية للجامعات والكليات, خاصة البنات. هذه الظاهرة بدأت من عدة سنوات وتفاقمت حتى وصل الأمر إلى أن من يحصل منهن على أكثر من 95 في المائة لا تحصل على رغبتها الأولى ولا حتى الثانية في التخصص.
ذكر أحد الأساتذة الجامعيين أن القدرة الاستيعابية لكلية العلوم الإدارية في جامعة الملك سعود, على سبيل المثال, تبلغ ثلاثة آلاف طالب وطالبة, بينما اضطرت الكلية إلى قبول سبعة آلاف منهم, ما سيؤثر سلبا حتى في الجودة, وبالتالي كفاءة الخريجين والخريجات, وبالتالي فرصهم في الحصول على وظائف مناسبة تشبع طموحهم وتوقعاتهم المهنية والمالية.
حتما سوف يشتكي أصحاب العمل في القطاع الخاص من ضعف أغلب هؤلاء. هذه إشكالية مجتمعية مهمة جدا تصب في قلب المسألة التنموية ومدى قدرتنا على أخذ القرارات الصعبة التي قد تستلزم تضحية قصيرة الأجل من أجل مصلحة البلاد في المدى البعيد, ولذلك فحلولها تتعدى سلطات الجامعات وحتى الوزارة وتصل إلى أولويات البلاد العليا. ولكن لكيلا نتشعب كثيرا في هذا الموضوع المهم دعنا نقدم بعض الاقتراحات التي لعلها تفيد المسألة التعليمية والبنية الاقتصادية.
أتى برنامج خادم الحرمين الشريفين للبعثات لكي يقدم نموذجا واعيا وطموحا لرفع القدرة البشرية للإنسان والاقتصاد السعودي في مرحلة مهمة من التحولات الاقتصادية. لا تزال هناك حاجة ماسة إلى الأخذ بهذا البرنامج إلى خطوة أخرى تخدم حاجة الكثير من أبناء المجتمع وبناته إلى التعليم ودفع التوجهات الاقتصادية الإصلاحية في مجال التعليم إلى مستوى أعلى. يفضل أن يكون هناك برنامج ابتعاث داخلي, خاصة للبنات المتفوقات تعليميا وليكن لدفع الرسوم فقط وتحت ضوابط تخدم الجميع, منها حصر الابتعاث على من يحصل على أكثر من 90 في المائة أو 75 في المائة من اختبار القدرات والكفاءات الخاص بالبرنامج الموحد للكليات الصحية, على سبيل المثال.
يعطي برنامج خادم الحرمين الشريفين الفرصة للبنات ولكن لا يخفى على أحد مدى محدودية هذه الفرصة للكثير من البنات نظرا لعدم رغبة الكثيرات في السفر لعدة أسباب. إن هذا البرنامج المقترح سيخدم الاقتصاد من عدة نواح, منها دعم التعليم الجامعي لخدمة القطاعات الخاصة في الاقتصاد سواء من ناحية تركيزه على المجالات والتخصصات ذات التوجه العملي أو من ناحية اهتمامه باللغة الإنجليزية أو قدرته على المحافظة على قدرة استيعابية مناسبة لا تؤثر سلبا في الكيف في التعليم وليس الكم فقط. الناحية الأخرى التي لا تقل أهمية تأتي من خلال دعم القطاع التعليمي الخاص, حيث إن إحدى ركائز السياسة الاقتصادية في المملكة هي دعم القطاع الخاص ومساعدته على القيام بدور محوري في الاقتصاد السعودي, وبهذا تستطيع المملكة تقوية هذه الجامعات والكليات الخاصة لتكون رديفا مهما للجامعات الحكومية مما يزيد من تحفيز المؤسسات الحكومية التعليمية على المنافسة ورفع المستوى. ظاهرة المنافسة موجودة في كل العالم, ولعل أبرز الجامعات الأمريكية كـ (هارفارد وستانفورد) وغيرهما كثير, جامعات خاصة استطاعت بعد أن حققت نجاحات تعليمية الاستثمار في البحث والتقنية التي استفاد منها القطاعان الخاص والعام لاحقا, مما أتى بمردود اقتصادي ضخم على جميع الصناعات والقطاعات الحيوية في المجتمع. وهذا ما يسميه الاقتصاديون العامل المضاعف, أي استثمار صغير نسبيا يولد استثمارا آخر في مجال آخر وينقل المعرفة والعلم إلى قطاعات أخرى, فيكون له مع الوقت تأثير كبير وواسع وعميق الانتشار.
لعل أحد السبل لتحقيق هذا الاقتراح أن يتوسع صندوق التنمية البشرية في الإقراض, مما قد يعلم الطلاب والطالبات المسؤولية وأخذ التعليم بجدية أكثر. هناك أمثلة جادة في المملكة نحو بناء مؤسسات تعليمية خاصة منها جامعة الأمير سلطان وكلية اليمامة وكلية إدارة الأعمال في جدة, ولعل كلية اليمامة هي أبرز من أنجز التوازن الصحيح بين الرسالة التعليمية والربح المعقول, وآخرون ستستطيع السوق بمساعدة الجهات الرقابية في المملكة والتجربة على فرز الجودة والكفاءة, ولكن القرار سيبقى مع الطالب والطالبة مما يربط بين اقتصاد السوق وقدرته وطموح طالب وطالبة العلم. وهذا بدوره سيمكن العملية التعليمية من تكامل أكثر مع واقع الاقتصاد ودعم النواحي العملية على حساب التعليم النظري البحت الذي يشكل رياضة ذهنية ولكن لا يخدم النواحي الاقتصادية الأكثر أهمية.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي