لماذا غاب الاقتصاد السعودي .. عن تقرير التنافسية الدولية 2005
يعتبر مجلس حماية المنافسة الذي أصدر خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز أمرا بتشكيله في العام الماضي أحد المتطلبات اللازمة لتأهيل المملكة للدخول في عضوية منظمة التجارة العالمية. ولقد درج المنتدى الاقتصادي العالمي الذي اتخذ من دافوس مقرا له على إصدار تقرير سنوي عن التنافسية في العالم.
وفي التقرير الذي أصدره المنتدى في الأسبوع قبل الماضي عن عام 2006 فجر المنتدى سلسلة من المفاجآت أهمها أن الولايات المتحدة التي كانت تتربع على المركز الأول في قائمة التنافسية لعام 2005 حلت سادساً وتقدمت عليها سويسرا التي أصبحت تحتل المرتبة الأولى بين 125 دولة جرى دراسة نشاطها الاقتصادي في عام 2006.
ولعل السبب وراء تراجع الولايات المتحدة يعود إلى أن اقتصاد الولايات المتحدة مازال يعاني من البيروقراطية والفساد المالي والعجز في الميزان التجاري وميزان المدفوعات، وانخفاض مساهمة التعليم العالي في النمو وعدم التوسع في استخدام التكنولوجيا لصالح عمليات النهوض مع استمرار تخلف الإدارة في القضاء على أزمات المجتمع، وترتب على ذلك أن نسب النمو الاقتصادي في انخفاض، بينما نسب البطالة والتضخم في تزايد، كما أن مبادئ الحوكمة لم تطبق على الشركات الأمريكية بمعايير النزاهة والشفافية المطلوبة، يضاف إلى ذلك أن تقنية المعلومات لم تستطع أن تلعب الدور المطلوب للنهوض بأسواق المال الأمريكية كما حدث في الدول الخمس التي سبقت الولايات المتحدة في الترتيب وهي سويسرا، فنلندا، السويد، الدنمارك، وسنغافورة، وهذه الدول وفرت المناخ المناسب للتنافسية الدولية بشكل فاق ما قدمته الولايات المتحدة.
وإذا كان الموقف العربي من التنافسية الدولية يشغلنا كثيرا فإن ما يهمنا أكثر هو ترتيب المملكة العربية السعودية في التنافسية العالمية لعام 2006.
بالنسبة للدول العربية فإن تونس تقدمت على جميع الدول العربية وأصبحت تحتل المركز الأول على الدول العربية والمرتبة الثلاثين على مستوى العالم بينما احتلت دولة الإمارات العربية المتحدة المرتبة الأولى خليجيا والثانية عربيا والاثنين والثلاثين عالميا، واحتلت قطر المرتبة الثانية خليجيا والثمانية والثلاثين عالميا، وتلتها الكويت ثم البحرين.
أما بالنسبة للمملكة العربية السعودية فلم يجر تقييمها ولا نعرف لماذا رغم أنها حققت فائضا غير مسبوق في الإيرادات، كما أنها حققت نحو 6.5 في المائة في معدل نمو الناتج الوطني، ونتصور أن تحقيق مرتبة متقدمة في قائمة التنافسية العالمية يعتبر من المعايير المهمة التي لها علاقة وثيقة بتدفق الاستثمارات الأجنبية وعلاقات الدولة مع المؤسسات المالية والمصرفية الدولية. وهنا أسأل مجلس إدارة التنافسية السعودية لماذا لم تقيم المملكة مثلها مثل 125 دولة ولا سيما أن المناخ الاقتصادي الوطني يؤهلها لاحتلال مرتبة جيدة في قائمة التنافسية العالمية، فلقد حققت المملكة ـ كما ذكرنا - فائضا غير مسبوق في الميزانية كما أن ناتجها القومي بلغ 6.5 في المائة، كما أن المملكة العربية السعودية أدخلت إصلاحات كثيرة على هياكلها الاقتصادية، مما زاد من تدفق الاستثمارات الأجنبية إلى السوق السعودي كذلك وقعت المملكة العديد من اتفاقيات الشراكة الاقتصادية مع الدول الواعدة اقتصاديا، ولذلك فإن السؤال هو: لماذا لم تقيم المملكة في عام 2006 وهل أعددنا العدة لتحقيق مرتبة متقدمة في تقرير التنافسية لعام 2007؟
ونتصور أن غياب المملكة العربية السعودية عن تقرير التنافسية العالمية.. هو غياب المعلومات والبيانات الكافية ولا سيما بالنسبة لمفردات الاقتصاد الكلي، يضاف إلى ذلك بطء وتيرة إصلاح النظام البيروقراطي والارتهان إلى سياسات نقدية ومالية صدرت منذ ما قبل الزيادة الهائلة في إيرادات النفط مما جعل من المتعذر تقييم التنافسية السعودية تقييما منصفا وموضوعيا.
وما نرجوه أن يبادر مجلس إدارة التنافسية السعودية بالاتصال بالتنافسية الدولية في دافوس والتعرف على أسباب عدم إدراج المملكة ضمن الدول التي جرى عليها تطبيق معايير التنافسية العالمية وتقييمها، لأن استمرار غياب المملكة يعني أن وراء الأكمة ما وراءها وأن الحكوميين السعوديين يغيبون المعلومات والبيانات عن المنتدى العالمي، وهذا بدوره يؤثر سلبا على علاقة المملكة بمنظمة التجارة العالمية وبتدفق الاستثمارات الأجنبية إلى السوق السعودي، كما أنه يسيء إلى علاقات المملكة مع المؤسسات المصرفية والمالية الدولية.
إن إقرار نظام حماية المنافسة وتشكيل مجلس إدارتها.. كان مطلباً من المطالب الواجب توافرها لاستكمال مسوغات الحصول على مقعد في منظمة التجارة العالمية. بمعنى أن للمجلس دورا مهما يجب أن يلعبه لتبييض وجه الاقتصاد الوطني السعودي.
بمعنى أن منشآت الأعمال السعودية في الوقت الراهن.. تواجه ظروفاً متغيرة، فهناك التغيير في الأوضاع الاقتصادية المحلية وهناك التغيير في الأوضاع الدولية.
وإذا ما أضفنا إلى ذلك انفتاح الأسواق وارتفاع حدة المنافسة المحلية والعالمية في ظل العولمة الاقتصادية تصبح المحافظة على المركز التنافسي للمنشأة أمرا في غاية الصعوبة إذا لم تبادر إلى تحسين أدائها الاقتصادي وكسب رضا عملائها.
ولا شك أنه في ظل المنافسة التي أخذت تنتشر ـ محلياً ودولياً ـ مدعومة بسياسات تحرير التجارة العالمية.. أصبح من الضروري أن يكون لكل وحدة اقتصادية استراتيجية بُعد تنافسي من أجل كسب المواقع وإحراز التميز لمنتجاتها في الأسواق المحلية والخارجية.
إن الأمم المتحدة تتهيأ لإصدار ميثاق الأمم المتحدة لمحاربة الفساد في كانون الأول (ديسمبر) المقبل وسيسعى الميثاق إلى حماية مكتسبات التنمية في العالم ويعطي الشرعية الدولية حق تعقب كل من ينهب أو يهدر الموارد في أي مكان من العالم.
وبصدور هذا الميثاق فإن مواجهة الفساد في الدول لن يبقى فقط قضية ترتبط بالحكومات بل سيتم تحويلها إلى قضية ترتبط بالمجتمع الدولي.
وفي هذا الإطار فإن دول العالم المتحضر تتسابق وتتنافس في هذه الأيام على اتخاذ الإجراءات المناسبة لمحاربة الفساد وحماية النزاهة ونشر مبادئ الشفافية والمساءلة والإفصاح في كل أروقة ودهاليز المؤسسات والهيئات.