أزمة مياه.. أم أزمة إدارة المدن..؟!
مشكلة المياه التي تجددت في مدينة جدة وطفت على السطح وحظيت باهتمام إعلامي ورسمي هي ظاهرة لمشكلة أكبر وأعمق تتعلق بسوء إدارة المدن والتخطيط لها. فالغريب في الأمر أن أزمة المياه في جدة تفجّرت على حين غرة، وكأن سكان المدينة وأحيائها الجديدة ظهروا علينا فجأة بين ليلة وضحاها وأسقط في أيدينا، ولم نعد نعلم كيف نواجه هذا التغير المفاجئ الذي لم نحسب له حسابا! بطبيعة الحال الجميع مشغولون بمعالجة المشاكل الآنية الحاضرة، ولم يدر في خلد أحد أن مدينة مثل جدة يؤمها الناس من جميع أقطار العالم ومهيأة للنمو الاقتصادي والعمراني السريع أن تكبر مساحتها ويزداد عدد سكانها ويرتفع الطلب على الخدمات بسرعة الصاروخ. لم يتجرّأ أحد النظر إلى الأفق قليلا ويتطلع إلى المستقبل ليدرك أن تسونامي من المشاكل قادمة لا محالة، ولا قِبل لنا في مواجهتها ولن تمهلنا وتتيح لنا الوقت للتعامل معها، وأن علينا الاستعداد لها وإعداد العدة، وبالتالي أفلتنا السيطرة عليها وأصبحت الأحداث تتحكم فيم يجب عمله بدلا من أن نكون نسير، وندير الأحداث عبر مبادرات ورؤى مستقبلية. لقد تحولت جهودنا إلى ردود أفعال انفعالية سريعة تجعلنا نمضي جل الوقت نطفئ الحرائق بدلا من الوقاية منها ومنع حدوثها أساسا. إنها انفعالات آنية وقتية سرعان ما تتلاشى بانقضاء الحدث أو الاعتياد عليه، بل ندخل في دوامة من العمل الروتيني الذي يعمي أبصارنا وبصيرتنا عن التنبؤ بالمستقبل والاستعداد له والمبادرة في أحداث التغييرات المطلوبة، وإعداد الخطط والتحسب للمستقبل حتى لا نؤخذ على حين غرة. إلا أن الروتين البيروقراطي يلتف من حولنا ويدفعنا نحو مزيد من الإجراءات والمعاملات الورقية التي لا تسمن ولا تغني من جوع. وفي ظل التشرذم الإداري الذي تعيشه المدن والإسهاب في الاعتماد على التنظيم البيروقراطي دون رقابة سياسية وأجهزة تشريعية مستقلة يجعل الأجهزة الإدارية (فروع الوزارات) تتواكل كل على الأخرى، حتى أن كل جهاز يلقي باللائمة على الأجهزة الأخرى، ويتنصل من المشكلة. وبذلك يبدأ البيروقراطيون عمل ما يجيدونه وتخصصهم الذي لا يجاريهم به أحد، وهو التفنن في إضاعة الوقت وتمييع المسائل وكتابة تقارير شكلية لا تمت بالواقع تنضح بمبررات تدفع عنهم المساءلة وتبقي الأشياء على ما هي عليه دون أن يمتلكوا الجرأة والدافعية والرغبة في البحث عن بدائل وحلول لمعالجة المشكلة.
هذا الوضع نشأ نتيجة عدم وجود هيئات محلية لإدارة المدن تتولى مسؤولية القرار المحلي بشموليته ما يمكنها من رؤية المشكلة من جميع جوانبها، وليس كما هو الحال كل جهاز إداري يتناول جزءا من المشكلة، وبالتالي يتعامل معها من ذلك المنطلق الضيق. هذا الوضع يذكرنا بأولئك النفر الذين عصبت أعينهم وطلب منهم أن يتلمسوا بأيديهم فيلا ويصفوه، فراح كل واحد منهم يصف الفيل حسب الجزء الذي يلمسه، ولذلك لا نستطيع أن نلقي باللائمة على البيروقراطيين، فالإطار الإداري المحلي يدعو نحو هكذا تصرفات، بل إن البيروقراطيين وجدوا فراغا كبيرا في عملية صُنع القرار دون أن يكون هناك توجيه استراتيجي من هيئة تشريعية محلية تعكس توجهات السكان المستقبلية، وتتحمل تبعات صنع القرار والتساؤل من قبل الناخبين. لم يعد بالإمكان الاعتماد على حل مشاكل المدن التي أصبحت أكثر تعقيدا وتداخلا فيما بينها على أجهزة إدارية متفرقة دون أن تكون هناك رؤية مشتركة واستراتيجية مستقبلية لما يجب عمله. إن عدم وجود هيئة محلية تدير كامل المدينة وتكون مسؤولة أمام السكان ليس في تقديم الخدمات وحسب، ولكن في وضع خطط للتنمية العمرانية والاقتصادية. إن ما نعاني منه في المدن عدم وجود مخطط شامل يشارك في صياغته جميع الأجهزة الحكومية، ويكون بمثابة وثيقة يتفق على تنفيذها، حسب إطار زمني محدد.
إن غياب أو قصور التخطيط الحضري الشامل يعود لعدم وجود سلطة محلية مسؤولة عن عملية صنع القرار المحلي بجميع جوانبه وقطاعاته. إن غياب هذا النوع من التخطيط أدى إلى افتقار المدن لنواحي السلامة والجمال والراحة والصحة والعمل. فالشوارع والطرق الرئيسة تكتظ بالسيارات حتى لا تكاد تتحرك، والملوثات بجميع أنواعها تملأ المكان، فمن تلوث الهواء إلى التلوث البصري والسمعي. أما استخدامات الأراضي فقد تداخلت بين سكني وصناعي وتجاري وافتقدت المدن للمساحات الخضراء ولم يعد للأحياء الخصوصية وأماكن للتنزه والترويح. وأصبحت المدن تنمو نموا عشوائيا ولم يلتفت لقضايا التنمية المحلية والخدمات العامة ومشاكل البطالة والإسكان وتداعياتها التي نعايشها من تفشي تعاطي المخدرات إلى السطو على المنازل، وسلوك بعض المراهقين اللا حضاري في الأسواق والطرقات وتبني آخرين للإرهاب منهجا وسلوكا. وباختصار افتقدت المدن في معظم الأحوال هويتها، وغدت كتلا أسمنتية كئيبة لا تعكس قيم المجتمع ولا تهيئ التواصل الاجتماعي.
إن إدارة المدن في وضعها الحالي المجزأ بين عدد كبير من فروع الوزارات لا تستطيع عمل الكثير، فضلا عن إدراك ما يجب عمله، لأنها ببساطة مركزية القرار محلية التنفيذ ما يجعلها مسلوبة الإرادة، عديمة السلطة لا تعكس توجهات الرأي العام المحلي ومطالب السكان وتطلعاتهم. وبالتالي تبقى جميع الجهود محاولات فردية لكل جهاز دون تنسيق، بل قد يصل إلى حد التضاد بين سياسات جهاز إداري وآخر. إن التحولات الكبيرة التي نشهدها على الساحة الداخلية والخارجية، التي من أهمها زيادة نسبة التحضر وعدد سكان المدن وحدة المنافسة الاقتصادية والانفتاح الثقافي، تستوجب منا مراجعة الأطر الإدارية للإدارة المحلية لتكون أكثر استعدادا في التعامل مع المستجدات ومواجهة التحديات والمشاكل التي لم نعهدها من قبل. إن المرحلة الحالية والمستقبلية تتطلب الارتقاء بأدوار الإدارة المحلية (إدارة المدن) تمنح فيها صلاحيات تنفيذية وتشريعية، وتكون فيها مسؤولة مسؤولية كاملة أمام سكان المدينة عن نتائج القرارات والسياسات المحلية لجميع القطاعات وليس الخدمات البلدية في مفهومها المختزل. إن تحديد مسؤوليات الإدارة المحلية ضمن نطاق مكاني محدد قانونا يحول المدينة إلى وحدة سياسية بدلا من مستقرة سكانية من شأنها جعل القرار المحلي أكثر استجابة لمتطلبات السكان وأكثر فاعلية وكفاءة. إن نضج الإدارة المحلية عبر استقلالها المالي والإداري والقانوني يزيح عن كاهل الحكومة المركزية الكثير من الجهد، ويجعل سكان المدن يتحملون تبعات قراراتهم بدلا من الوقوف متفرجين دون أدنى مسؤولية. إن ما يحدث في جدة من قصور في شبكة توزيع المياه هو بلا شك نتيجة ممارسات إدارية غير مسؤولة وغير جادة وخاطئة، وهناك مَن لم يحسن القيام بما يجب ولم يقم بالتخطيط للمستقبل، لأنه يرى المدينة برؤية بيروقراطية يمتد عمرها بعمره الوظيفي فقط، يتمثل قول الشاعر "وإذا مت عطشان فلا نزل القطر!".
الحديث عن أزمة إدارة المدن يطول، وهي بلا شك أزمة يحسها ويعاني منها سكان المدن بشكل يومي بحكم طبيعة الخدمات المحلية، إلا أني أترككم مع مجموعة من الأسئلة الجوهرية التي أرى ضرورة طرحها ومناقشتها من أجل الوصول إلى صيغة إدارية ووضع قانوني وأدوار للإدارة المحلية أكثر نضجا تتواءم مع متطلبات المرحلة، وتسهم في التصدي للتحديات الحالية والمستقبلية. مَن يهتم لأمر المدينة؟ ومَن يرعى مصالح سكانها؟ ومَن يحدد كيف ستكون عليه المدينة في المستقبل؟ هذه أسئلة جوهرية لا نستطيع فهمها والإجابة عنها إلا من خلال إطار قانوني/ مكاني يحدد العلاقة بين الحكومة المحلية وحكومة المنطقة (الإقليمية) والحكومة المركزية والدور المنوط بكل مستوى. وهكذا يمكننا أن نتعرّف مَن المسؤول عن ماذا ولا نبقى كسكان مدن نشاهد فروع الوزارات تتقاذف المسؤولية فيما بينها دون توقف!
من بين التجارب المميزة التي يجب الالتفات إليها ودراستها وتطبيقها في هذا السياق تجربة الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض. لقد أدرك سمو الأمير سلمان صاحب المبادرة بحكمته الواسعة وعقليته المستنيرة وتجربته الطويلة في العمل الإداري المحلي على مدى أعوام طويلة هذه الحقيقة، وأنه من أجل تحقيق أي إنجاز في إدارة المدينة والارتقاء بها وتطويرها يلزم أن يكون هناك جهاز محلي يعنى بالمدينة بجميع قطاعاتها ويتبع أسلوب التخطيط الشامل. إن النجاحات التي تحققت تجعل من الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض أنموذجا رائدا على صعيد إدارة المدن يستحق التطبيق في المحافظات الأخرى.
* أستاذ إدارة المدن المشارك