تمويل المؤسسة العامة للتقاعد.. هل هو حل أم مشكلة؟

 تمويل المؤسسة العامة للتقاعد.. هل هو حل أم مشكلة؟

[email protected]

قبل الدخول في تفاصيل هذا الموضوع لا بد من الإشارة إلى إنجازات صندوق التنمية العقاري الذي صدر به المرسوم الملكي رقم 23 وتاريخ 11/6/1394هـ القاضي بتأسيس الصندوق كإحدى المؤسسات التمويلية المتخصصة في مجال الإسكان بهدف دفع عجلة التنمية لدى القطاع الخاص في هذا المجال من خلال منح المواطنين السعوديين قروضاً طويلة الأجل تمكنهم من بناء مساكن حديثة. وهذا القرض عبارة عن قرض حسن ليس الغرض منه تحقيق عائد ربحي للصندوق بل على العكس فالقرض يبلغ ثلاثمائة ألف ريال، يتم تسديده على مدة تبلغ خمسة وعشرين عاما، ويحصل المستفيد من القرض على خصم 20 في المائة إذا تم تسديد القرض بشكل منتظم بمعنى أنه يرد للصندوق مائتين وأربعين ألف ريال بدلا من ثلاثمائة ألف، ولقد استفاد آلاف المواطنين من هذا القرض.
إلا انه مع الفائدة التي لمسها المواطنون من هذا القرض، أصبح مثل هذا القرض لا يؤدي الدور نفسه الذي كان يؤديه أول ما أُنشئ الصندوق وذلك يعود لعدة أسباب، منها أن هذا القرض يتطلب أن يملك المواطن أرضا مناسبة للبناء توجد فيها الخدمات الأساسية، ومثل هذه الأرض اليوم قد تكلف في المدن الكبرى ما لا يقل عن مائتي ألف ريال أو أكثر. ثانيا مع تزايد إعداد طلبات المواطنين بما لا يتناسب مع عدد المنح أصبح هناك تراكم للطلبات حتى أصبح الكثير لا يؤمل الحصول على القرض قبل ما لا يقل عن خمسة عشر عاما، ثم أن المبلغ قد صدر القرار به قبل ثلاث وثلاثين سنة وكما هو معلوم فإن تكلفة البناء قد زادت عن تلك الفترة.
بعد هذه المقدمة لعلنا نتناول بشكل خاص الخبر الذي ورد في صحيفة "الاقتصادية" يوم الإثنين 29 شوال لعام 1427، الذي جاء فيه "أقرت المؤسسة العامة للتقاعد برنامجا لإقراض موظفي الدولة المسجلين في المؤسسة، إضافة إلى المتقاعدين، وذلك بغرض تمويل شراء المساكن. وأبلغ "الاقتصادية" محمد الخراشي محافظ المؤسسة العامة للتقاعد أنه قد تم تحديد مبلغ مليون ريال كحد أعلى للإقراض، فيما لم يتم بعد اعتماد الحد الأدنى. وقال الخراشي إن تفاصيل وضوابط هذا البرنامج ستعلن لاحقا، مؤكدا أنه سيتاح للمستفيدين منه بشروط سهلة وميسرة".
لعله من المبكر الحديث عن تفاصيل مثل هذا المشروق الجبار قبل الحصول على معلومات من المؤسسة، ولعلنا نحاول حل بعض الألغاز الواردة في الخبر حيث جاء فيه أيضا "وأوضح محافظ مؤسسة التقاعد في حديثه لـ "الاقتصادية" أن المؤسسة تهدف من وراء إقرار مثل هذا البرنامج إلى تعزيز مواردها المالية، إضافة إلى إتاحة الفرصة أمام المشتركين في أنظمة التقاعد لشراء مساكن لهم". فهنا نجد أن التمويل الهدف الأول منه ربحي لتعزيز موارد المؤسسة المالية، فليس من المعقول أن يأخذ نفس منحى القرض الذي يمنحه صندوق التنمية العقاري.
ولعلنا لا نتفاءل كثيرا بدراسة قرض يبلغ مليون ريال وهو الحد الأعلى للتمويل، ولنأخذ المسألة على أساس أن القرض سيكون فقط خمسمائة ألف ريال (500.000) وليتحمل المواطن دفع مبلغ إضافي ما بين مائتين وثلاثمائة ألف ريال، للحصول على مسكن مناسب ، ولو اخذنا بالاعتبار عائد 3 في المائة سنويا، - وهي نسبة تعتبر منخفضة مقارنة بتمويل المؤسسات المصرفية التجارية - لمدة خمسة وعشرين عاما فإن المبلغ الإجمالي سيكون ثمانمائة وخمسة وسبعين ألف ريال، وهذا يتطلب أن يدفع المستفيد ما يقارب الثلاثة آلاف شهريا، ولو افترضنا أن الموظف يستطيع أن يتخلى عن ثلث الراتب فلا بد أن لا يقل راتبه عن تسعة آلاف ريال (9000) شهريا، هذا طبعا إذا لم يكن في الأساس عليه التزامات مالية لبنوك أو شركات البيع بالتقسيط.
لا بد أن نشير أيضا إلى أن مثل هذه المشاريع قد تؤدي بشكل أو بآخر إلى زيادة في الأسعار سواء في العقارات أو تكلفة البناء مما قد يكلف المستفيدين من القرض مبالغ أكبر من الأسعار الحالية التي هي الآن تعتبر مرتفعة مقارنة بإمكانية الطبقة المتوسطة ماديا، إضافة إلى أن الشريحة الأخرى من المواطنين التي لا تستطيع الاستفادة من التمويل تتضرر بزيادة الأسعار وقد لا يوجد لديها فرص مماثلة، هذا إذا ما أضفنا إلى ذلك وجود برامج جديدة أخرى مثل برنامج التمويل العقاري الذي تقدمه مجموعة سامبا المالية.
فالسؤال الآن هل يمكن أن يكون مثل هذا التمويل مفيدا في ظل هذه الاعتبارات؟ في الحقيقة لا بد أن نقول إن المنزل أو السكن بشكل عام ضرورة من ضرورات الحياة التي تعتبر بالنسبة للإنسان من الأولويات، وليس من المعقول أن يمضي الإنسان مع أسرته سنوات تحت وطأة الإيجار، ويخضع في الوقت نفسه لتقلبات أسعار الإيجار، وأطماع بعض المؤجرين، وشح السكن المناسب في بعض الأوقات.
ولذلك ليس من الممكن إعاقة مثل هذه المشاريع التي هي في النهاية خدمة للمجتمع ولكن لا بد أن تتزامن مثل هذه المشاريع مع حلول للمشاكل التي قد تحصل من خلال قلة العرض مع كثرة الطلب، خصوصا أن المملكة العربية السعودية اليوم تمر بطفرة عمرانية غير مسبوقة مع وفرة في السيولة النقدية وبناء المدن الصناعية وزيادة دخول المواطنين، وهذا كله كفيل بزيادة في الأسعار مما قد يفقد برامج تمويل الإسكان للمواطنين الكثير من الفوائد المرجوة منها.

الأكثر قراءة