العودة إلى المفاعل النووي السعودي.. مطلوب الآن!!

<a href="mailto:[email protected]">dr_saaty@yahoo.com</a>

قبل نحو ستة أشهر كتبت مقالاً في هذه الصحيفة أغازل فيه مشروع البرنامج النووي السعودي الذي كان أحد الملفات المهمة في الستينيات الميلادية الذي تتولاه وزارة البترول والثروة المعدنية وأنشأت له - ضمن هيكلها التنظيمي - إدارة مستقلة تحت اسم إدارة الطاقة النووية.
وفي ذلك التاريخ نشأت بيني وبين مدير إدارة الطاقة النووية السعودية علاقة صداقة، ونشرت عن المشروع أخباراً مدوية، تناقلتها في ذلك الوقت وكالات الأنباء، ويومها أصدر وزير البترول والثروة المعدنية الأسبق الأستاذ أحمد زكي يماني أمراً بعدم نشر أي خبر عن الطاقة النووية إلا عن طريقه شخصياً.
ومن نعم الله على بلادنا الحبيبة أن حباها الله بكل موارد الطاقة الرئيسية، بمعنى أن السعودية لن تتعرّض لأزمة في الطاقة لحقب طويلة من الزمن.
لدينا أكبر احتياطي استراتيجي من البترول ولدينا الشمس وتجاربنا في مدينة العيينة حققت بعض التقدم في مجال الطاقة الشمسية.
قبل شهرين صرح الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش أن الولايات المتحدة سوف تستغني في غضون عشر سنوات عن بترول الشرق الأوسط، وأنها تقترب من الوصول إلى طاقة بديلة وبأسعار أقل بكثير من أسعار البترول.
وفي الشهر قبل الماضي قام الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية السعودية بزيارة لإيران وأدلى بتصريح قال فيه: إن القوانين الدولية تعطي لإيران الحق في استخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية. وفي الشهر الماضي عقد وزراء خارجية الدول الإسلامية اجتماعاً في أذربيجان، وأعلنوا في بيانهم الرسمي أن من حق إيران استخدام الطاقة النووية في الأغراض السلمية.
والآن في خضم الأحداث التي تمر بها المنطقة في هذه الأيام، حان الوقت للعودة إلى مشروع البرنامج النووي السعودي، وذلك انطلاقاً من حتمية امتلاك مصادر جديدة للطاقة ورخيصة، لأن الدول التي تقوضت تقوّضت لأنها لم تمتلك طاقة رخيصة كالطاقة النووية.
ويبدو أن الوقت الآن مناسب للعودة مرة أخرى إلى ملف الطاقة النووية السلمية، ولاسيما أن اتفاقية منع الانتشار النووي تؤيد قيام برامج الطاقة النووية للاستخدامات السلمية في الدول الأعضاء.
ودعونا نعود إلى لغة الأرقام فنقول إن نسبة استهلاك العالم من البترول تصل إلى نحو 36.8 في المائة، بينما يستهلك العالم من الطاقة النووية 14.6 في المائة، وهذه النسبة مرشحة إلى الزيادة على حساب البترول الذي بلغ سعر برميله الواحد 60 دولاراً.
وتشير تقارير الهيئة العالمية للطاقة إلى أن جميع الدول الصناعية وبعض الدول النامية تستخدم الطاقة النووية، حيث بلغ عدد الدول التي تستخدم الطاقة النووية نحو 32 دولة، بإجمالي 443 مفاعلاً قيد التشغيل و26 مفاعلاً تحت الإنشاء. وتشير الإحصاءات إلى أن توليد الكهرباء من الطاقة النووية في فرنسا يصل إلى 78 في المائة، وبالنسبة لأمريكا فإن لديها 104 مفاعلات نووية لتوليد الكهرباء تشارك بنسبة 19.9 في المائة من الإجمالي، وفي اليابان 59 مفاعلاً نووياً تشارك بنسبة 29.3 في المائة، وفي كوريا الجنوبية 20 مفاعلاً نووياً تشارك بنسبة 37.9 في المائة من إجمالي إنتاج الكهرباء، وفي ألمانيا 17 مفاعلاً نووياً تشارك بنسبة 32.1 في المائة من الإجمالي وفي إسبانيا تسعة مفاعلات تشارك بنسبة 32.9 في المائة، وفي بلجيكا 55.1 في المائة، وفي أوكرانيا 51.8 في المائة، وفي بلغاريا 41.6 في المائة وفي سويسرا 40 في المائة والمجر 33.8 في المائة وفي كندا 15 في المائة. ومن المؤسف أن نسبة إسهام الطاقة النووية في استهلاك الطاقة في السعودية تبلغ صفراً في المائة.
إن علوم الطاقة النووية في جانبها السلمي هي علوم المستقبل، فالعالم يعاني في هذه الأيام من أزمات حادة في المياه والكهرباء، وفي المستقبل القريب فإن أزمات المياه ـ كما يقول العلماء والمتخصصون ـ سوف تتسبب في اندلاع الحروب في مناطق عديدة من العالم، وبالذات في منطقتنا العربية ومنطقة الشرق الأوسط، بل أكثر من هذا فإن النضوب الوشيك للبترول سوف يضع العالم أمام أزمة حادة بالنسبة للطاقة إلى جانب أزمة المياه.
من هذا المنطلق فإن دول العالم المتقدم أخذت تعيد النظر في حساباتها وتتصالح مع الطاقة النووية، وتتجه بقوة إلى علوم الطاقة النووية، لأنها باتت تدرك أن الطاقة النووية هي البديل الوحيد عن البترول، وأنها مصدر اقتصادي مهم لتوليد الكهرباء والماء.
إن البداية التي يجب أن ننطلق منها للعودة إلى ملف البرنامج النووي السعودي هو أن نتخذ مجموعة من الخطوات أهمها أن يصدر أمر ملكي كريم بإنشاء هيئة مستقلة للطاقة النووية، على أن تقوم هذه الهيئة بتحديد وتقدير التكلفة الاقتصادية والعائد المتوقع لبدائل الطاقة المختلفة بترول وغاز وطاقة نووية وطاقة متجددة وغيرها، إضافة إلى وضع دراسة عن الجدوى الاقتصادية من استخدام الطاقة النووية في المستقبل القريب والبعيد.
ولعله من المفيد الوقوف على حجم الموارد البشرية السعودية المتوافرة وغير المتوافرة والمطلوبة علمياً وإدارياً ومهنياً لتحقيق الاستفادة المثلى من إنتاج الطاقة النووية، كما يجب وضع تصور كامل عن تأثير الطاقة النووية في برامج التنمية والتحديث في السعودية.
وفي ضوء النتائج فإنني أعتقد بأن البدء فوراً في وضع مشروع بناء مفاعلات للطاقة النووية السلمية ضرورة ملحة، لاسيما أن وفرة المال تتيح لنا فرصة الصرف على البرنامج النووي من دون أن تتأثر برامج التنمية الوطنية التي يجري تنفيذها حالياً.
إنني أؤكد أن المملكة مدعوة الآن أكثر من أي وقت مضى لولوج النادي النووي السلمي لأن ذلك حق من حقوقها المشروعة، لاسيما أن مكانتها التي بلغتها في المجتمع الدولي تحتم عليها القيام بمشروعات نووية سلمية.
إن امتلاك البرامج النووية للأغراض السلمية أصبح في عالم اليوم من أهم مقومات تحقيق التقدم والنمو، وسوف يكون البرنامج النووي مورداً مهماً من موارد التنمية الوطنية المستدامة، وإذا كان لدينا المال، فإن كليات الهندسة في الجامعات السعودية فيها طلاب سعوديون عباقرة يتطلعون ويطمحون إلى العمل في الحقل النووي.
وأؤكد أن الوقت الآن يدعونا بقوة للبدء في المشروع النووي الذي تأخرنا عن تنفيذه طويلاً.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي